عودة للكلمات والرسائل

الأربعاء 16 شوال 1424هـ
10ديسمبر 2003م

العولمة اْو اْهداف الحرب العدوانية على الاْمة

إن العولمة أو النظام العالمي الجديد هو مشروع استعماري صهيوني أمريكي تقوده أمريكا؛ لأن ما يسمى الأمة الأمريكية هي خلاصة الأمم اللاتينية التي هي أمم مفتونة لا تنظر إلا لنفسها ولا تعرف إلا مصالحها، وفي سبيلها تسفك الدماء وتنتهك الأعراض وتدوس كل القيم والمقدسات، وقد ورثت الشعوب الأمريكية كل تلك الصفات وأضافت إليها صفات أخرى من الجبروت والطغيان حتى أضحت اليوم النموذج المتفرد في العالم كله في العنجهية والطغيان والظلم والاستبداد والاستغلال والاحتكار.

وقد زادها التفوق العسكري وسقوط ما كان يسمى بالاتحاد السفياتي ضراوة وعنجهية، حتى أصبح ظلم الآخرين والاعتداء عليهم دينا لأمريكا لا تبغي عنه بديلا.

وأمريكا اليوم هي حاملة مشروع الحركة الصهيونية بأبعاده المختلفة، وهي ماضية في تطبيقه بكل الوسائل والطرق بعد أن تهيأت لها الظروف الدولية وتوفرت لها الأسباب السياسية والمادية والعسكرية والإعلامية، فلا يوجد ظرف دولي ملائم كالظرف اليوم؛ الذي أصبحت فيه أمريكا القوة العظمى الوحيدة في العالم التي تحرص معظم دول العالم ومنها الدول العربية على عدم إغضابها وتجتهد في كسب رضاها، ولا توجد أسباب سياسية ومادية وعسكرية وإعلامية ملائمة كالأسباب القائمة اليوم، فبوش الابن الذي يتزعم أمريكا اليوم ينتمي إلى الكنيسة الإنجيلية وهي الكنيسة المتصهينة وقد جاء إلى الحكم بفارق بسيط في الأصوات في عملية انتخابية شبيهة بتلك التي تجري في الدول العربية، وقد جاء ليواصل المهمة التي توقف عن استكمالها أبوه وكان أول عمل قام به في أيامه الأولى هو إطلاق صواريخ على العراق ليعطي بذلك معالم واضحة للدور الذي جاء من أجله والمهمة التي انتدب إليها، وقادة الأنظمة العربية على العموم قادة معزولون شعبيا ولهم معارضات داخلية قوية، وبينهم جفاء بَيـًٍّن، وقد فشلوا في تحقيق ما وعدوا به من مشاريع وبرامج مختلفة، وأصبح بقاؤهم في الحكم مرهونا برضا أمريكا والغرب عليهم، كما أن الوضع المادي والعسكري والإعلامي لصالح أمريكا وحلفائها؛ كل ذلك يجعلها مسيطرة وحدها على الإمكانات المادية ومتفردة بالتفوق العسكري والإعلامي.

إن الظروف المختلفة مهيأة في نظر أمريكا للمضي في تنفيذ مشاريع الحركة الصهيونية والسهر على تحقيق أهدافها التي يمكن إجمالها فيما يلي

  1. إخضاع الدول العربية لمخطط العولمة بمظاهرها المختلفة، وبخاصة المظهر الإيديولوجي الذي يتمثل في العلمانية فتتقوض الثوابت العقائدية والاجتماعية والثقافية، ويتحطم النظام التعليمي، ويقضى على روح الإبداع والتجديد الفكري، وتشجع مظاهر الفساد الخلقي والانحراف السلوكي...وتقوم حالة من الصراع المستمر بين الأنظمة وشعوبها؛ فتعم الفوضى والاضطرابات، وتقوم حالة من اللاأمن وعدم الاستقرار، وتنصرف الأمة عن الاهتمام بقضايا أصالتها، أو مقومات شخصيتها، و حقوقها القومية و الإسلامية، ويطغى عليها الهم الداخلي وشؤون الأمن والغذاء، ويقوى عندها الاستعداد لمناصرة القوى السياسية التي تستطيع توفير ذلك بغض النظر عن اديولوجيتها وعلاقاتها الخارجية ومواقفها من كبرى قضايا الصراع العالمي، والمظهر العسكري الذي يتمثل في عدم السماح بامتلاك السلاح الذي يحفظ الوحدة الوطنية ويعزز السيادة والاستقلال ويضعف القدرة على صد أي عدوان خارجي، والمظهر السياسي ويتمثل في تشجيع الديمقراطية النخبوية، ومساندة الاستبداد بالتضييق على أبرز التيارات الوطنية وأكبرها؛ وهو التيار الإسلامي، وإشعال نار الفتن العرقية والمذهبية تحت شعار حماية حق الأقليات وحريتها في المشاركة السياسية، وفتح الباب أمام الحملات التبشيرية لتنصير المسلمين، والإشراف تحت أستار مختلفة على تعيين الطبقة الحاكمة، والمظهر الاقتصادي ويتمثل في تشجيع الاقتصاد الليبرالي المتوحش، وفتح الباب أمام تحكم المؤسسات العالمية والشركات العملاقة في السياسات الاقتصادية المختلفة واستنـزاف موارد دول منطقة الخليج وبخاصة السعودية بإشراكها في تمويل الحملة على العراق مثلما حصل في حرب الخليج الأولى والثانية، وبهذا يضعف الاقتصاد العربي ويقضى على تماسكه وتصبح بلدانا العالم العربي مزارعا وأسواقا وحقولا لدفن النفايات الغربية ( الأمريكية ) وميدان للفوضى والاضطرابات.

    إن العولمة في حقيقة حالها أداة الحركة الصهيوأمريكية لاستعمار العالم وخاصة العالم العربي والإسلامي؛ إنها شكل من أشكال الاستيعاب الثقافي والدمج الحضاري وإلغاء الخصوصية الاقتصادية، وإخضاع الاقتصاد الوطني إلى هيمنة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والشركات المتعددة الجنسيات ومنظمة التجارة العالمية، وإحتكار أسلحة السيادة والعزة ومنع امتلاكها عن الدول الأخرى.

    وظاهرة العولمة تعمل على إحلال ما تسميه بالأفكار والقيم الكونية - الغربية - محل الأفكار والقيم الإسلامية، وإحلال التنمية الكونية محل التنمية المستقلة، والسيادة الاقتصادية العالمية محل السيادة الاقتصادية الوطنية، متخطية كل الحواجز والحدود الاقتصادية متخذة الخوصصة خطوة لتطبيق العولمة الاقتصادية.

    والشركات المتعددة الجنسيات هي حاملة العولمة فكرا وتطبيقا؛ إذ ترى في العالم كله مساحتها ومجال نشاطها وتعمل على وضع قوانين - تحدد - مصير الأطراف المندمجة.
    ¢ توجد 449 شركة من الشركات الـ 500 الكبرى في الدول الصناعية المتقدمة بواقع 153 في أمريكا و155 في الاتحاد الأوربي، و141 في اليابان.
    ¢ وإيرادات هذه الشركات بلغت 114 ترليون دولار عام 1995 وهي تمثل 45% من الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم البالغ حوالي 253 ترليون دولار للعام نفسه.
    ¢ وتمثل التطورات التكنولوجية العلمية أو ما يسمى بالثورة الصناعية الثالثة عصب العولمة ومرتكزها الأساسي.
    كما اقترن الحديث عن العولمة بالحديث عن أشياء براقة مثل حقوق الإنسان والديمقراطية، والإشادة بالعقلانية والعلم، وقدرة الثقافة الحديثة على التغلب على كل ما يعترض الإنسان من عوائق ومشاكل، والتهجم على التعصب بكل أشكاله؛ الديني والقومي أو العرقي.. وتصوير من يقف في وجه العولمة على أنه يقف في الحقيقة ضد التحرر من كل صور الاستعباد؛ استعباد الدولة، استعباد الجهل والفقر، استعباد التعصب.

    إن العولمة في الحقيقة هي عولمة نمط معين من الحياة؛ هو النمط الغربي، وتكبيل الأنظمة والحكومات باتفاقيات متنوعة؛ ثقافية واقتصادية وعسكرية وسياسية ترفض هيمنة أمريكا وحلفائها على العالم عامة- والوطن العربي بخاصة- وتجعلها صاحبة الامتياز الأول في التصرف بثرواته، والاستفادة منها، وتوجيه مواقفه نحو ما يخدم مشاريعها ومشاريع إسرائيل في المنطقة، وهذا الحال هو ما يمكن أن يطلق عليه" لفظ الاستعمار"، فالعولمة لذلك استعمار حقيقي لا يخدم إلا مصلحة الأعداء، ولا يلتفت بعد ذلك إلى بعض ما قد يتحقق من منافع للأمة من ورائها كالاستفادة الممكنة من التكنولوجيا الحديثة الموجودة لدى الغرب في تطوير الأمة وتحسين أحوالها لأن ذلك محسوب ومحدد من طرف العدو، ولا يسمح بتجاوز الخطوط الحمراء التي حددها في هذا الشأن، والعبرة في الحكم على العولمة بغلبة شرها وظهور ضررها لا بما قد يكون فيها من خير.

  2. توفير العوامل المختلفة التي تساعد على محاربة الإسلام تحت شعار الحملة العالمية على الإرهاب بتشجيع التيارات العلمانية وعرقلة التيار الإسلامي، ومحاربة ما تبقى من جوانب الشريعة في النظام القانوني والمنظومة التعليمية والمسجدية والإعلامية بما يزيل النصوص القرآنية والحديثية التي تتناول مواضيع الجهاد وأهل الكتاب والولاء والبـراء.

    وبهذا يفرغ الإسلام من محتواه ويصبح دينا آخر يحمل اسم الإسلام والإسلام منه براء أو تصبح هذه الأمة بلا دين أو ببقايا دين مشوه ومن يأبى التجاوب مع مخططها هذا - كالعراق مثلا- تشهر في وجهه العديد من الأسلحة والتهديد والوعيد والاتهام والضغط وربما العدوان المسلح وكفى عبرة وعظة بما حدث في حربيها على أفغانستان والعراق.

  3. توفير الحماية الكاملة لدولة الكيان الصهيوني، وتزويدها بالبترول والماء ومساعدتها على إنهاء الانتفاضة، وتهيئة الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية المساعدة لها على السير في إقامة دولتها الحلم؛ من النيل إلى الفرات، والمطالبة بالتعويض عن الأماكن التي عاش فيها اليهود في الدول العربية ومنها الأماكن التي كانت في المدينة المنورة وفق ما وعد به موشي ديان، والذهاب بعيدا في امتلاك السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل الأخرى، وهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل، وممارسة كل أشكال الضغط والابتزاز على الدول العربية لتسكت عن مشاريعها العدوانية وربما قد تدفع بعضها لتساعدها على تنفيذها، وأهم تلك المشاريع؛ هو إقامة إسرائيل الكبرى، وهذا المشروع ليس مشروعا يهوديا وحسب ولكنه قبل ذلك مشروع مسيحي، فالمسيحيون البروتستانت ومنذ عهد الفيلسوف" مارتن لوثر" الذي قدم رؤية جديدة لليهود عام 1523 خالف فيها ما كان متبنى من طرف المسيحيين لما قال في كتابه " المسيح ولد يهوديا " < شاء الروح القدس أن تنـزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم، اليهود أبناء الرب، ونحن الضيوف الغرباء وعلينا أن نرفض بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها >، منذ ذلك التاريخ وأمر اليهود يتنامى في نفوس البروتستانتيين حتى أصبح بينهما تحالف استراتيجي قوي يسعى فيه البروتستانتيون إلى أن يكونوا في خدمة اليهود لأنهم يؤمنون بالعهد القديم ويعتبرون أساطيره المصدر الوحيد للحقيقة التاريخية في زمان ما قبل المسيح ويرون أنفسهم ممنونين لليهود أصحاب ذلك العهد من جهة، وأقدر من اليهود على تحقيق وعد الرب - على حد زعمهم - من جهة ثانية؛ بما يملكون من قوة وبطش ونفوذ في العالم، ولذلك ما أن أحس البريطانيون رعاة الكنيسة البروتستانتية بالقوة حتى بدأوا يتحدثون عن إعادة اليهود إلى أرض فلسطين تحضيـرا لعودة المسيح ( عليه السلام ).

    جاء في مقال بعنوان <غزو العراق...أول حروب إسرائيل الكبرى...> : في عام 1655 قال الزعيم" البروتستانتي" : "بول فيلتهوفر" أن اليهود في المجئ الثاني للمسيح سوف يعترفون به على أنه مسيحهم وانتقلت هذه الفكرة من صفحات الكتب إلى أروقة الساسة فها هو" اللورد شافتسبري" يسعى في بريطانيا للتعجيل بتجميع اليهود في فلسطين للتمهيد لعودة المسيح رغم أنهم- أي اليهود- عنيدون ومنحطون أخلاقيا وقلوبهم سوداء ، إلا أنهم على كل حال عامل مهم جدا لخلاص المسيحيين > على حد قوله،ونجح "شافتسبري" في إقناع زوج أمه السابق اللورد "بالمرستون" وزير خارجية بريطانيا آنذاك بافتتاح أول قنصلية بريطانية في القدس وتعيين "وليم يونج" الذي يشاطر "شافتسبـري" أفكاره أول نائب قنصل بريطاني في المدينة عام 1839؟.
    وفي عام 1845 وضع "ادوارد ميتفورد" من مكتب المستعمرات البريطاني خطة لتوطين الشعب اليهودي في فلسطين ووصفها بأنها< سوف تضعنا في موقع قيادي محكم في الشرق الأوسط نستطيع منه متابعة خطة استيلاب هذا العالم وردع الأعداء وصد عدوانهم إذا حدث >، أما حماس البروتستانت الأمريكان الذين فروا من بطش الملك" جيمس الأول"، فشبهوا أنفسهم باليهود الذين فروا من فرعون مصر واعتبروا أمريكا بمثابة أرض الميعاد واستطاعوا أن يبيدوا سكانها الأصليين من الهنود الحمر، وأقاموا لأنفسهم دولة الولايات المتحدة الأمريكية، أما حماسهم لليهود ولفكرة الوطن القومي الموعود أو ما يسمى بإسرائيل الكبرى < مملكة الرب > - على حد زعمهم - فهو حماس كبير جدا يطغى على حماس اليهود أنفسهم، ففي سنة 1844 وصل إلى القدس " واردر كريستون " أول قنصل أمريكي من أجل أن يقوم بعمل الرب ويساعد على إنشاء وطن قومي لليهود في أرض الميعاد >، وبذل جهودا مضنية في الاتصال بالقادة الأمريكيين لتنفيذ هذه الفكرة.

    جاء في المقال السابق < وشهد عام 1878 قفزة في الترويج للمسيحية الصهيونية في أمريكا عندما أصدر الرحالة الإنجيلي "وليام بلاكستون" كتاب " المسيح القادم" الذي بيعت منه ملايين النسخ وكانت فكرته الرئيسة أن < عودة المسيح التي ينتظرها المسيحيون على مر القرون لن تتم إلا بعودة اليهود إلى أرض الميعاد >ولتحقيق ذلك قدم "بلاكستون" عريضة إلى الرئيس الأمريكي "بنيامين هاريسون" عام 1891 موقعا عليها من قبل 413 من كبار رجال الدين المسيحي وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب وكبير قضاة المحكمة العليا مطالبين بتدخل أمريكا لإعادة اليهود إلى فلسطين. < وعندما طرح "تيودور هرتزل" عام 1897 فكرة الدولة اليهودية في مؤتمر بازل بسويسرا وناقش فكرة استيطان اليهود في أوغندا أو العراق أو كندا أو الأرجنتين عارضه المسيحيون الصهاينة في أمريكا، واعتبروا طروحاته مخالفة لما جاء في التوراة، وأرسل "بلاستون" إلى "هرتزل" نسخة من العهد القديم مشيرا إلى الصفحات التي عين فيها النبيون فلسطين تحديدا بأنها < الوطن المختار للشعب المختار >.

    إن حماس المسيحيين البروتستانت ( الصهيونيين ) لمسألة الوطن القومي الموعود وإسرائيل الكبرى أشد من حماس اليهود أنفسهم كما سبق ذكره أعلاه، وهو حماس أسبق في الزمان من حماس اليهود وأشد تطرفا من تطرف اليهود، وهذا الحماس المتطرف لليهود هو الذي يعطي تفسيـرا واضحـا للدعم اللامشروط الدائم والمتزايد من بريطانيا سابقا يوم كانت الدولة العظمى في العالم ثم من أمريكا بعد أن أصبحت سيدة العالم، وخاصة فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد ازداد حماسهم لمشروع إسرائيل الكبرى بعد أن بدأ دور الاتحاد السوفياتي في التراجع فاسحا المجال كله لأمريكا.

    لقد فرح كثيرا المسيحيون الصهاينة في أمريكا بوعد بلفور في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وراحوا يروجون له ويحشدون الدعم الأمريكي له ويساهمون في تحويله إلى واقع حي بالمال والسلاح والرجال والدبلوماسية، وبعد أن أصبحت أمريكا دولة عظمى وأصبحت راعية لفكرة الدولة اليهودية ازداد نشاط الصهاينة من اليهود والمسيحيين وازداد ضغطهم على الإدارة الأمريكية، وأحسنوا استغلال التطور الكبير الذي حصل في عالم الاتصالات وانتقلوا من الكنيسة التقليدية إلى ما يمكن أن يسمى " بالكنائس "التليفزيونية " وأصبح قساوستها نجوما في المجتمع يساهمون في نشاطاته السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فتعاظم أمر المتصهينين في أمريكا حتى أصبحوا يشكلون أغلبية داخل المجتمع الأمريكي، واستطاعوا أن يوصلوا أحد أتبـاع كنيستهم إلى الرئاسـة وهـو الرئيس الأمريكي " جيمي كارتر " عام 1974 الذي قال في خطاب له أمام الكونجرس < علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة...لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة لا يمكن تقويضها لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي > ، وعمل على تحييد مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، ومصر تشكل طليعة الأمة ومقدمتها في هذا الصراع، ونجح في ذلك بإبرام اتفاقية "كامب ديفد" بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس وزراء إسرائيل "مناحيم بيجن" سنة 1978 فشق الصف العربي شقا لم يرتق، وفرض عليهم مسارا استسلاميا وتطبيعيا مع اليهود لم تزده الأيام إلا قوة خادمة لليهود ومشروعهم وضعفا للعرب والمسلمين وخذلانا لحقهم في فلسطين والمنطقة والعالم.

    ثم ازداد التحالف المسيحي اليهودي وثوقا بمجئ ريجان إلى رئاسة الدولة الأمريكية، لقد كان هذا الرجل يحمل الكتاب المقدس خلال حملته الانتخابية ويقول < بين دفتي هذا الكتاب حلول كاملة لمشكلات العالم > وبعد أن فاز في الانتخابات وأصبح رئيسا لم يبخل على إسرائيل بأي دعم ولم يقصر في محاصرة المقاومين الفلسطينيين، وألقى اللوم عليهم وورد قوله عن المسلمين المقاومين لإسرائيل< الذين يعتقدون أن الطريق إلى الجنة يمر عبر قتل اليهود... > وقد استغل اليهود الدعم اللامحدود المقدم إليهم من إدارة " ريجان " فدخلوا بيروت واحتلوا جنوب لبنان عام 1982، وهكذا توالت خدمة رؤساء أمريكا لليهود في عهد بوش الأب الذي حطم الاتحاد السوفياتي وقاد حرب الخليج الثانية وحقق اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وقاد العرب إلى مؤتمر مدريد وفق الشروط الإسرائيلية ثم سقط في انتخابات العهدة الثانية بسبب اشتراطه وقف الاستيطان الصهيوني في الضفة والقطاع لموافقة حكومته على ضمانات قروض للحكومة الإسرائيلية بمبلغ 10 ملايـير دولار، وجاء بعده كلينتون فسلم أمر حكومته لليهود وخاصة في العهدة الثانية فكانت اليهودية " أولبرايت " وزيرة للخارجية واليهودي "كوهين" وزيرا للدفاع واليهودي " صمويل بيرجر " رئيس الاستخبارات وغيرهم من اليهود الذين كانوا كلهم أركان إدارته، ثم جاء بعده جورج بوش الابن؛ الذي يعتبر صنيعة يهودية صهيونية خالصة يعمل بحماس وعنجهية كبيرة لصالح إسرائيل، ويطبق طلباتهم بإيمان ويسارع في رضاهم برغبة وحب، جاء في المقال " غزو العراق أول حروب إسرائيل الكبرى".

    أما بوش الابن الذي يخوض حرب إسرائيل الكبرى الآن فقد نقلته الصهيونية المسيحية من مجرد سكير يقارع الخمر إلى رئيس القوة العظمى الوحيدة في العالم بشرط أن يعمل وفق جدول أعمالها، وهو ما يفعله بوش بحماس وإيمان بالغين، كان الأب "بيلي جراهام " هو الذي قاد بوش إلى هذا الطريق، ولذا يقول بوش عنه < إنه الرجل الذي قادني إلى الرب > أما ابنه" فرانكلين جراهام " فهو الذي قدم الصلوات في احتفال تنصيب بوش رئيسا، الأب والابن بالتعاون مع قساوسة آخرين مثل " بات روبرسون" و"جيري فالويل" شنوا طوال العام الماضي حملة من البغض والسب في حق الإسلام والقرآن والنبي (ص) ونعتوهم بشتى الأوصاف المشينة والألفاظ البذيئة.

    وعلى يد قساوسة الصهاينة المسيحيين هؤلاء تشرب بوش معتقده السياسي، ففي حملته الانتخابية كان يقول إنه يبدأ يومه بقراءة في الكتاب المقدس " الإنجيل والتوراة معا " وبعد فوزه قال: إن من كتبه المفضلة التي يقرأها يوميا كتابا للقسيس أوزوالد شاميرز الذي مات في مصر وهو يعظ الجنود البريطانيين والاستراليين هناك بالزحف على القدس وانتزاعها من المسلمين، وأصبح بوش على رأس فريق يؤمنون < أن إسرائيل التوراتية يجب أن تقام، وأن هيكل سليمان يجب أن يعاد بناؤه في القدس تمهيدا لعودة المسيح للأرض > كما يقول" د/ وليام بيكر"، فإسرائيل في نظرهم مشروع إلهي لا يقبل الإدانة أو النقد ناهيك عن المقاومة والنقض؛ فهم -كما تقول "جيريس هالسل" الكاتبة المسيحية- مستعدون لتقبل نقد موجه إلى فرنسا أو انجلترا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة أو أي بلد آخر لأن ذلك شأن سياسي، أما نقد إسرائيل فهو يساوي عندهم نقد الرب ذاته >، وهي نفسها التي تنقل في كتابها " النبوءة والسياسة " عن السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة من خطابه أمام المسيحيين الصهيونيين في فبراير 1985 أثناء اجتماع للصلاة من أجل إسرائيل قوله:( كان هناك حلم قديم في تراثنا اليهودي بعودة اليهود إلى أرض إسرائيل؛ هذا الحلم ظل كامنا لمدة ألفي عام حتى جاء البريطانيون وعملوا بحماس بالغ من أجل عودة اليهود إلى وطنهم المهجور ...
    ...إن كتابات الصهيونيين المسيحيين البريطانيين والأمريكيين أثرت تأثيرا مباشرا على القيادات الأساسية من أمثال رئيس وزراء بريطانيا "لويد جورج "ووزير خارجيته" آرثر بلفور" والرئيس الأمريكي الأسبق "وودرو ولسن"...جميع هؤلاء الرجال كان لهم دورهم الحاسم في وضع الأساس السياسي على المستوى العالمي لإقامة الدولة اليهودية، لقد كان ذلك بسبب تأثير الصهيونية المسيحية على رجال الدولة في الغرب..لذا فإن الذين تتملكهم الحيرة إزاء ما يرونه من التأييد المسيحي لإسرائيل إنما يكشفون عن جهلهم ).

    إن مثل هذه الحقائق هي التي تفسر تجاوز بعض الأمريكيين وبعض ساستهم الخطوط الحمراء في خدمة الأهداف اليهودية أكثر من اليهود أنفسهم كما فعلت مجموعة من المسيحيين الأمريكيين عندما خططوا لنسف المسجد الأقصى عام 1999 ومثلما فعل بوش الابن لما صرح بعد مجازر جنين ونابلس واصفا شارون السفاح بأنه " رجل سلام".
    إن هذا المعتقد الديني في نفسية بوش وأركان الإدارة الأمريكية هو الذي جعله يتبنى الخطة الإسرائيلية الصهيونية لغزو العراق وقد أعدها فريق عمل من اليهود الأمريكيين برئاسة " ريتشارد بيرل" عام 1996 وقدمها إلى "بنيامين نيتانياهو" ودعوا فيها إلى دفع أمريكا نحو غزو العراق باعتبار ذلك جزءا محوريا من الاستراتيجية الإسرائيلية لاستمرار التفوق العسكري والاستراتيجي في المدى المنظور.

    و"ريتشرد بيرل" هذا يعمل رئيسا لمجلس سياسات الدفاع ومستشارا لوزير الدفاع " دونالد رامسفيلد " فهو لذلك العقل المدبر لخطط أمريكا العسكرية، كان عضوا في مجلس إدارة المعهد اليهودي لدراسات الأمن القومي ومديرا لصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية؛ وقد شهد العالم كله على دوره المتميز في دفع الإدارة الأمريكية لغزو العراق، وظل في منصبه حتى تم الغزو ثم استقال بعد قرابة أسبوعين من الغزو الأمريكي للعراق.

  4. بسط نفوذها على نفط العراق وثرواته الحيوية وهو يمثل حسب الكثير من الدراسات الاحتياط العالمي الأول، وباجتماع سيطرتها على نفط العراق مع سيطرتها السابقة على نفط دول الخليج الأخرى تصبح أمريكا متحكمة في أكثر من 65% من الاحتياطي العالمي وهذا ما يعطيها القدرة على إخضاع دول العالم المختلفة إلى سياستها لأن من سيطر على الطاقة سيطر على شريان التقدم المدني وتحكم بذلك في القرار الاقتصادي والسياسي العالمي.
  5. فرض هيمنتها وهيبتها على العالم وبخاصة ما تسميه بمحور الشر وفي طليعته الدول العربية واستغلال ذلك في محاولة إعادة تشكيل خريطة العالم العربي بما يضمن ولاء دوله لها.[ وقد تلجأ إلى تقسيم بعض الدول ذات المساحة الكبيرة والحجم السكاني المعتبر كالسعودية ومصر وسوريا والجزائر والسودان وليبيا بناء على ما صرح به باول كولن وزير خارجية أمريكا لدى زيارته لإسرائيل - بعد سقوط بغداد - بأن مشروع بوش هو إعادة رسم خريطة العالم العربي بحلول سنة 2013]، وتكون البداية - لا سمح الله - بالعراق الذي قد يقسم إلى ثلاث دويلات لا تملك سلطة القرار في الشؤون الخارجية وشؤون الدفاع والأمن والبترول بل تعتمد اعتمادا كليا على أمريكا في إدارة شؤونها المختلفة وتكون صديقة لإسرائيل وعونا لها في المنطقة.

خاتمة

إن الحركة الصهيوأمريكية تخطط لاستعمار العالم العربي والسيطرة على مقدراته وهي ماضية في تطبيق هذا المخطط بدوافع كثيرة في مقدمتها كما رأينا الدافع الديني " الأصولي الصهيوني " ومصيبتنا أن النخب النافذة في القرار السياسي في بلادنا والمسيطرة على مراكز صناعة الرأي العام لازالت ترفض النظر إلى البعد الديني في السياسة الأمريكية نحونا، وترفض أحيانا كثيرة التصديق بأن الدين اليهودي مؤثر في المجتمع الأمريكي وفي السياسة الأمريكية وفي صناعة القرار الأمريكي من الرئيس إلى مستشاريه إلى أعضاء إدارته إلى قيادات مصادر القرار في الكونجرس والبانتاغون وغيرهما، من أن يؤدي وظيفته في توعية الأمة وإعدادها للتصدي لمخططات هؤلاء بل تحاربه بالتعطيل والتحريف والمصادرة وملاحقة الدعاة إليه والعاملين من أجل التمكين له.

وسجون الأنظمة العربية المليئة بشباب الحركات الإسلامية وقتلاهم من علماء ومفكرين ودعاة وشباب الذين يعدون بالملايين على مدى عقود من الزمن، وأنواع الملاحقة المستمرة التي لم تتوقف إلى اليوم، ومشاريع فرض العولمة والتغريب على الأمة في الدساتير والقوانين والمنظومات التربوية والإعلامية...؛ كل ذلك يقوم شاهدا على عمق الأزمة التي نعيشها ومدى القابلية للمساهمة في إنجاح مخططات الحركة الصهيوأمريكية في بلادنا من حيث نريد أو لا نريد ونشعر أو لا نشعر أو ما يسميه الفيلسوف الكبير " مالك بن نبي " رحمه الله، بالقابلية للاستعمار ".

الشيخ عبد الله جاب الله

رئــيس حركة الإصلاح الوطني

الجزائر