عودة للكلمات والرسائل

بســـــم الله الرحمن الرحيـــــم

الجزائرفي20 شوال1425
الموافق لـ30نوفمبر2004

حركة الإصلاح الوطني
EL-ISLAH
الرئيس

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛


لقد عاشت الحركة منذ مدة حملة مركزة تستهدف استقرارها، والتأثير على مصداقيتها وصرف رجالها عن التحضير الجاد للمؤتمر الأول الذي قرر مجلس الشورى المنعقد في دورة عادية بتاريخ 27 ماي 2004 تنظيمه أواخر شهر ديسمبر، وقد تمحورت الحملة الإعلامية المركزة حول تهمة الاستبداد وإرادة رئيس الحركة التحكم في كل مؤسساتها، واحتكار جميع صلاحيات التنظير والتسيير، وأمام هذه الحملة المغرضة.
رأيت من حق المناضلين والمتعاطفين علي نشر وثيقة التصورات العامة التي أساء هؤلاء الإخوان قراءتها وذهبوا بعيدا في الحكم على النوايا رغم الشرح واالنقاش المعمق والواسع الذي حظيت به الوثيقة في الاجتماع الأول للجنة القانون الأساسي والنظام الداخلي، ثم في الجامعة الصيفية، والتأكيد المستمر على أن هذه الوثيقة ليست قانونا، وإنما هي فلسفة عامة يطلب من واضعي القانون فهمها وحسن الاستفادة منها في وضع القانون، وما اختلف فيه من قضايا جوهرية وكان الخلاف متقاربا يثبت فيه الرأيان ليعرضا على التصويت في المؤتمر وللإخوة المناضلين وجميع المحبين والمتعاطفين أن يحكموا بعد ذلك بما شاءوا.

خصائص التنظيم الراشد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
إن توفر الأطر الهيكلية والإدارية التي تقوى على استيعاب الطاقات الخيرة في الأمة ولاسيما أولئك الذين استوفوا شروط استحقاق نصر الله سبحانه و القدرة على توظيفهم في تعبئة الأمة وتهيئتها للاضطلاع بمسؤوليات التغيير، وضبط الأمور التي تتطلبها عملية الإصلاح ونظمها،وتوحيد الصفوف وجمع الكلمة، والاستفادة من كل جهد وطاقة لخدمة أهداف الإصلاح من أهم الشروط التي يجب توفيرها لأنها من ضرورات الإصلاح- أو التغيير - ومن أهم لوازمه.
إن الدارس لتاريخ الحركات والتنظيمات المختلفة وصاحب الخبرة في العمل الجماعي المنظم، يجد أن معظم الخلافات والمشاكل الداخلية التي أضعفت الحركات والتنظيمات وقضت عليها، عائدة أساسا إلى الأسباب التنظيمية والإدارية ، ولذلك فإن العمل على إيجاد تنظيم يتوفر على هياكل ومؤسسات متنوعة وبصلاحيات متوازنة، ويتوفر على قواعد في التسيير والإدارة واضحة ومرنة، ويتمتع أفراده بوحدة وانسجام في الفهم والتصور، واستعداد عال للتضحية والعطاء ، واستقلالية في اتخاذ القرارات وقدرة على الإبداع والفعالية، من أهم الدعامات التي يقوم عليها منهج التغيير السلمي أو الإصلاح السياسي .
إن هذا النوع من التنظيم لا يتوفر إلا إذا توفرت له جملة من الخصائص والمواصفات ذكرتها الدراسات الإستراتجية والتنظيمية تتلخص في المرونة - التماسك بين أبناء التنظيم في جميع المستويات الهيكلة- أفقيا وعموديا - الاستقلالية والتمايز - الاستيعاب - تنوع البنى الهيكلية - الإبداع والفعالية - النظام اللامركزيي - التوازن في الصلاحيات - التداول على المسؤولية .
  1. المرونة: بجميع أنواعها؛ مرونة في الأهداف والوظائف؛ بحيث يكون التنظيم قادرا على تغيير أهدافه المرحلية ووظائفه العملية، فينتقل من هدف إلى آخر، ومن وظيفة إلى أخرى بحسب ما يجد من ظروف ويتوفر من إمكانيات. مرونة عملية تسمح للتنظيم بالتعامل مع التحديات المتغيرة بما يكافئها من أساليب دون جمود على أسلوب واحد في التعامل أو أساليب معينة، حتى ولو ثبتت فعاليتها وظهرت نجاعتها في مرحلة من المراحل، ما دامت هناك متغيرات في الأوضاع والتحديات.
    مرونة في الأسس التي تبنى عليها العلاقات مع السلطة والأطراف المشكلة للخريطة السياسية دون جمود على موقف واحد منها قد يدفعها إلى الانكسار أو الانعزال، ودون ميـوعة تجعل التنظيم كلاهث اليوم وراء هذا وغدا وراء ذاك، لا يحكمه في ذلك إلا ما يتوقعه مصلحة، بل له من القواعد الموجهة لعلاقاته ما يجعله يميز بين:
    • " الحليف الاستراتيجي الذي يتعين عليه أن يسعى إليه ويحافظ على العلاقة معه.
    • " الحليف التكتيكي الذي قد تدعوه الحاجة والمصلحة للالتقاء معه لنصرة حق من الحقوق وخدمة مصلحة عامة من المصالح.
    • " الخصم أو العدو الذي يتعين عليه كشفه للرأي العام أو مهادنته والسكوت عليه أو الحذر منه.. مرونة في التنظيم: تتعلق بقدرة التنظيم على تغيير أو تنويع بنيته الهيكلية وقياداته وإجراءات اتخاذ قراراته دون أن يحدث ذلك خللا في الصف، وفسادا في العلاقات، واضطرابا في المواقف والتوجهات.
    • التماسك بين أبناء التنظيم في جميع المستويات الهيكلية أفقيا وعموديا، فكلما كان التماسك بين أبناء التنظيم ومؤسساته قويا كان التنظيم قويا، وكان ذلك أدعى إلى نجاحه في خدمة أهدافه المختلفة، والوقوف في وجه التحديات المتنوعة التي تعترضه سواء من الداخل أو الخارج، وخاصة في المحطات الانتخابية التي يكثر فيها الطمع لدى أبناء التنظيم.
      فكثير من الناس يريدون الترشح ولا يرون في التنظيم إلا وسيلة توصلهم إلى مؤسسات الدولة، فتقوى الكولسة وتتنوع محاولات شراء رضا الأفراد المؤثرين في القرارات، ومن لم يكن صاحب حظ في الترشح في مراتب الفوز بالانتخاب قد يلجأ إلى القيل والقال، ويحاول زعزعة الصف. كما تكثر في مثل هذه المحطات مؤامرات السلطة وحلفائها فتحاول زعزعة الحزب الذي لا يرضخ لمساوماتها وتقدر أنه قد يشكل خطرا عليها وعلى حلفائها الأساسيين، وتوظف لذلك الإعلام الموالي لها لاستغلال فئة الطامعين، وإشاعة ما قد يثيرونه من قلاقل.
      ولا عصمة من مثل هذه المناورات المكشوفة إلا بأن يكون التنظيم متماسكا تماسكا حقيقيا يظهر من خلال:
      • إيمان أفراد التنظيم كلهم وخاصة أعضاء الهياكل والمؤسسات في جميع المستويات العمودية والأفقية بالخط السياسي الذي يتبناه تنظيمهم، فيضبط أعماله به ويبني مواقفه وعلاقاته على هداه، والبرنامج الذي يناضل من أجل الإقناع به، ويعمل على الوصول إلى السلطة من أجل وضعه موضع التنفيذ، والأهداف الرسالية أو المرحلية التي يسعى إلى تحقيقها، ويقدر أنها تعبر بعمق عن واجبات المواطنين ومطامحهم وتستجيب لانشغالاتهم. وهذه تشكل أهم الجوانب المشكلة للوحدة الفكرية والشعورية، وهي تحتاج من الأفراد إلى الاطلاع المستمر والدراسة المعمقة لأدبياتهم.
      • -قناعة الأفراد بهياكل التنظيم، وقواعد سيره وإجراءات وطرق معالجته للمشاكل التي قد تنشأ داخل التنظيم، والصلاحيات المحددة للمؤسسات المختلفة، وثقتهم الكبيرة بقيادتهم.
        فهذا الذي يوجد الوحدة التنظيمية ويقوي الشرعية الداخلية، ويوجد التماسك داخل الصف، ويقوي الانسجام والتعاون بين أفراده على خدمة أهدافهم، فلا شئ يفيد في تعميق الانسجام والتعاون مثل الثقة في القيادة والقناعة بأن السير منضبط بالشرع والشورى، وأن ما تم اتخاذه من مواقف أو بناؤه من علاقات فيه الخير كله للتنظيم ومشروعه.
        وأن مصلحة الأفراد تبع لمصلحة التنظيم والمشروع الذي تأسس من أجله، وأن الخلاف الذي قد ينشأ أثناء السير بين قيادات التنظيم في المستويات المختلفة يجد حله باحترام قواعد السير وإجراءات الانضباط وطاعة قرارات المؤسسات صاحبة الصلاحية في الحسم في مثل هذه المسائل بما يحفظ وحدة الصف وسلامة السير، والثبات على الخط وعدم الانحراف عنه.
      • اجتهاد الأفراد في تزكية أنفسهم وترويضها على طاعة الله سبحانه وطاعة رسوله صلى الله علي وسلم، وذلك بالحرص على الالتزام بالفرائض وبذل الجهد في المحافظة على النوافل وبخاصة السنن الراتبة، وورد القرآن والذكر قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وآناء الليل وأطراف النهار، فذلك الذي يمتن ارتباط الأفراد بالله سبحانه ويعمق إيمانهم به وثقتهم في وعده سبحانه بنصر المؤمنين، ويدفع إلى العطاء والتضحية، ويعين على التعامل بأخلاق الإسلام وفضائله، فتتمتن الوحدة العاطفية، وتقوم معاني الولاء والنصرة بين المؤمنين، وهذه المعاني بالغة القيمة وعظيمة الأثر على حاضر ومستقبل التنظيم ومشروعه.
2- الاستقلالية والتمايز: التنظيم شخصية اعتبارية له كيانه واعتباره الخاص الذي يميزه عن بقية الكيانات والشخصيات سواء كانت اعتبارية كمؤسسات الدولة، والأحزاب الأخرى، والتنظيمات العشائرية، أو كانت شخصيات طبيعية كالقيادات التنظيمية والفكرية والسياسية، فوجود التنظيم لا يتوقف على غيره من التنظيمات الاجتماعية أو على أفراد، كما لا يكون أداة لخدمة مصالح تنظيم من التنظيمات، أو فرد من الأفراد.
ولا يتوقف في اتخاذ قرار من القرارات على موافقة جهة من الجهات سواء كانت ذات سلطة ونفوذ أو صاحبة مال وتأثير، وإنما تتخذ مواقفه مُؤَسَسَاتُهَ باحترام قواعد عملها، وما تقدره من مصالح خادمة لأهدافها المرحلية أو البعيدة؛ فلا أحد يعلو التنظيم أو يساويه، لا في القيمة والمكانة، ولا في المصلحة والهدف، ولذلك فأهدافه تعلو سائر الأهداف، ومصلحته تتقدم سائر المصالح. وبدون النظر إلى التنظيم وقيمته وأهدافه ومصالحه بهذه النظرة، والتعامل معها على هذا الأساس، فإنه يفقد الاستقلالية والتمايز، فتضعف بذلك قيمته ومكانته ويقل تأثيره داخل المجتمع، ويكون عرضة للضعف وذهاب الريح.
3- الاستيعاب: وأعني به قدرة التنظيم على استيعاب الطاقات الحية والفاعلة التي تؤمن بخط سيره وهي صادقة في استعدادها للنضال من أجل التمكين له ولمشروعه، وقدرته على توظيف تلك الطاقات وتحقيق الانسجام والتعاون بينها، والاستمرار في توظيفها وتوجيهها في خدمة أهداف السير المرحلية والبعيدة، وقدرته على تجنب تبديد الجهود وتضاربها، فيكون لكل فرد مسؤول مكانه اللائق به، ودوره المنوط به والمناسب له، وينعدم أو يضعف الإحساس بالغبن أو التهميش، فتزداد عندئذ ثقة الأفراد بالقيادة، ويتعمق إيمانهم بقوة تنظيمهم وصحة مشروعه وسلامة سيره، وحكمة مواقفه ونبل أهدافه وواقعيتها، ويضعف أو يموت الإحساس بالغبن أو التهميش أو التجميد أو التعطيل، وبذلك يتحول أبناء التنظيم كلهم، وخاصة من كان منهم في موقع من مواقع المسؤولية، إلى طاقة فاعلة ومؤثرة في خدمة الأهداف والتمكين للمشروع.
4- تنوع البنى الهيكلية للتنظيم ؛ بحيث تكون بالعدد الذي يسمح بتحقيق الاستيعاب لمختلف الطاقات وتوظيف جميع القدرات في خدمة الأهداف المسطرة. فالطاقات البشرية متنوعة وقدراتهم متفاوتة، وكل ميسر لما خلق له، فهناك من يصلح للتربية والتكوين، وهناك من يصلح للعلاقات والتواصل مع الغير، وهناك من يصلح للتنظيم والهيكلة، وهناك من يصلح للعمل الخيري والاجتماعي، وهناك من يصلح للإعلام والتثقيف العام، وهناك؛ وهناك..، أنواع كثيرة من البشر، وهناك من لا يريد أن يتحرك ضمن هياكل الحزب التقليدية وهو صاحب رأي ومكانة اجتماعية، ومن المفيد أن يستفيد التنظيم من طاقاته وجهده، أو أنه في قطاع من قطاعات المجتمع كقطاع الطلبة أو قطاع العمال أو الفلاحين، أو قطاع النساء، وله قدرة كبيرة على التأثير في قطاعه لو يجد من يشجعه على ذلك ويعينه عليه، ومن تمام قوة التنظيم أن يحسن الاستفادة من كل تلك الطاقات ويحسن توظيفها، وذلك بإنشاء عدد من الروافد والواجهات تكون مستقلة عن الهيكل التقليدي للحزب إداريا ووظيفيا، ومرتبطة به استراتيجيا وسياسيا لأنه من غير الممكن تطبيق خاصية الشمول في الاهتمامات والواجبات دون تحقيق الشمول في الوسائل ومثل هذا الأمر هو الذي يسمح بما يلي:
‌أ- أداء واجبات الدعوة والتربية العامة لعموم الناس وتنمية جوانب الخير الموجودة في المجتمع، فكثير من الناس فيهم خير كثير، ولديهم الاستعداد لتحسن أحوالهم الإيمانية والأخلاقية ، والمساعدة على فعل الخير وإشاعته داخل المجتمع ، وهم يجدون حرجا في أن يستفيدوا من ذلك أو يفيدوا به غيرهم، إذا ما نظم ذلك من طرف هياكل الحزب التقليدية لعوامل كثيرة أملتها طبيعة النظام ورسختها الأزمة التي عاشتها البلاد، أما إذا فعلت ذلك واجهات أخرى سواء كانت جمعيات أو هيئات أخذت صفة الاستقلالية، أقدموا عليها وأحسنوا الاستفادة منها وعملوا على مساعدتها على القيام بواجباتها، ومن أمثلة ذلك النوادي الرياضية أو النوادي الفكرية والثقافية أو الجمعيات الخيرية أو النسوية أو المنظمات الطلابية أو النقابية.
‌ب- توسيع دائرة وهامش المناورة السياسية : لقد دلت التجارب على أنه كلما كان هامش المناورة السياسية كبيرا كان ذلك في مصلحة التنظيم ومشروعه، ولذلك كان البحث عن العوامل والأسباب التي توسع هامش المناورة من الواجبات الإستراتيجية الملقاة على عاتق القيادة الراشدة، والعمل السياسي بطبيعته قد تكون له تحالفات مع السلطة أو مع الأحزاب تحتم على القيادة نوعا من التنازل مداراة لهم أو مراعاة لمصلحة من المصالح الظرفية، وقد تحتم عليه الظروف نوعا من الغموض في الموقف السياسي قد لا تقبل الأمة به أو لا ترتضيه لأنها لم تفهم أبعاده ولا يمكن شرحها، ففي مثل هذه الأحوال يحتاج التنظيم إلى واجهات أخرى تتولى مسؤولية الشرح أو مسؤولية التعبير عن الموقف الأخلاقي الأصيل والدفاع عنه فيكسب التنظيم عندئذ من الجهتين ، وهذا هو المقصود.
‌ج- توفير منابر جديدة للعمل والنضال : إنه ليس من الحكمة حصر النضال في ميدان واحد أو حصر ميادين النضال في منبر واحد، فطاقات الناس مختلفة وميولاتهم متباينة ومتعددة، والأيام قلب، والواجب هو مراعاة كل ذلك وذلك بتنويع منابر العمل والنضال، فمن لم يستوعبه منبر استوعبه آخر ، وإذا حوصر منبر وضيق عليه وقع الانتقال إلى آخر وهكذا، والمهم هو ألا يتوقف النضال ولا يتأخر بل يواكب المستجدات ويتماشى مع الظروف ويستمر قائما في الميدان في جميع الأحوال.
‌د- تحقيق الفعالية في الأداء فكثيرا ما أكدت التجربة أن أنواعا من الأعمال إذا ما أسندت إلى فئات أو منابر متخصصة تم أداؤها بإتقان وتم تحقيق المقصود منها بشكل أفضل وأحسن.
‌ه- حسن استيعاب الواقع:فكلما كانت المنابر كثيرة ومتنوعة كان استيعاب التنظيم للواقع أفضل وأكمل، وكان تأثيره فيه توجيها وتحضيرا له ليرتفع إلى مستوى الشروط التي يراعيها ويعمل على توفيرها في المجتمع ليقوى على الاضطلاع بمسؤوليات التغيير.
‌و- إن مزايا تنوع البنى الهيكلية والواجهات عديدة وهامة إلا أنها لا تخلو من صعوبات جمة يضعها في الطريق عدم اكتمال الوعي السياسي والتنظيمي لدى قيادات التنظيم وفئاته التي يعتمد عليها في مثل هذا الحال، فيقع الأفراد في حيرة وقلق، كما أن غلبة مرض حب اختراق قوى المجتمع الذي أضحى سياسة متبعة من طرف النظام باستعمال أسلوب الإغراء والإكراه في التأثير على ذوي النفوس الضعيفة يزيد من شيوع الحيرة والقلق على مستقبل الواجهات والهياكل، الشئ الذي قد يدفع إلى نوع من الزهادة العملية فيه، إلا أن صبر القيادة وإصرارها على تربية أفرادها على هذا الفهم وإعدادهم للتكيف معه سيفضي في النهاية إلى التغلب على الصعوبات الموجودة.
إنه مهما كانت الصعوبات التي تواجهنا يظل واجب العمل على تنويع البنى الهيكلية قائما. لابد من تأكيد ضرورة الحرص على التمايز بين البنى التنظيمية ووحداتها الهيكلية وظيفيا وجغرافيا مع مراعاة التكامل والتعاون بينها في إنجاح المواقف وخدمة الأهداف والتمكين للمشروع، ومثل هذا يتطلب تنوعا حقيقيا في الأجهزة والهياكل التي تصدر في عملها وجهادها عن نفس القناعات، بضرورة أن يكون بعضها سندا لبعضها الآخر ورافدا له ومتعاونا معه على خدمة أهداف التنظيم ، ويتطلب وجود آليات حقيقية تسمح بتحقيق ذلك التكامل والتعاون، وتمنع من تحول هذا التنوع في البنى التنظيمية والهيكلية إلى أدوات للاستغلال المغرض أو التنافس غير المشروع، أو إلى بؤر للاختلاف والصراع.
5- الإبداع والفعالية: ونعني به قدرة التنظيم على المحافظة على زمام المبادرة، ومواجهة كل ما يجد من حالات وأوضاع بآراء وأفكار ومواقف متجددة، وقدرته على معرفة أوضاع المجتمع وتحديد انشغالاته والمبادرة بطرح تلك الانشغالات والدفاع عنها، وقدرته على مواكبة كل المستجدات التي قد تحدث داخل المجتمع، ورصد التطورات النفسية والمطلبية وحسن التعامل معها، وقدرته على متابعة مواقف النظام ورصد علاقاته المختلفة، وفهم سياساته الداخلية والخارجية، ثم مواجهة ذلك بالمواقف اللازمة والمناسبة دون اندفاع يقود إلى الخطأ ويحكم على أصحابه بالتهور، ولا تباطؤ يفوت الفرص ويحكم على أصحابه بعدم القدرة على مواكبة الأحداث، ومثل هذه الخاصية تسمح للتنظيم بالنمو الطبيعي، وتجعله صاحب المبادرة في تقرير حاضره وبناء مستقبله، وتؤهله لنيل ثقة الأمة فيه والتفافها حوله.
ولا شك أن هذه الخاصية لا تنال بالأماني ولكنها تنال بالجدية في العمل، والكرم في العطاء والشجاعة في المواقف، وعدم التسرع في إصدار الأحكام على الغير، والقدرة على الاستفادة من كل ايجابية داخل المجتمع أو النظام، وحسن استغلال جوانب الخير الموجودة في الأفراد أو داخل المجتمع والنظام والعمل على تنميتها، والصبر على الشر الموجود دون تزكيته واستغلال كل فرصة تتاح لتغييره، والاجتهاد في سد الفراغات وملء الثغرات التي تظهر من حين لآخر حتى لا تستغل استغلالا سيئا من أهل الشر والفساد، والإيمان بأن "أحب الأعمال إلى الله سبحانه أدومها وإن قل"، وأن العمل المبني على الدراسة الواقعية والموضوعية هو الأنفع للمشروع، وأن حسن التدرج في السير نحو تحقيق الأهداف هو الأنفع ولو رآه البعض بطيئا " إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى".
ومثل هذه المسائل تحتاج إلى معرفة عوامل القوة داخل المجتمع، وداخل النظام وداخل التنظيمات الاجتماعية، والإلمام بعناصر الضعف فيها، ومعرفة الجهات المؤثرة في قراراتها وتوجهاتها ومواقفها، والعوامل التي تتحكم في ذلك، ? ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسليـن إنهم لهم المنصـورون وإن جندنـا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون ? ، والإحاطة بعناصر القوة والضعف داخل التنظيم، وجوانب التقدم والقصور في مسيرته، ووسائل التأثير والاكتساب التي يتوفر عليها وسبق له أن جربها في نضاله، والاجتهاد في سد مختلف الثغرات التي قد تفتح أثناء السير خاصة في المراحل والأوقات التي يقوى فيها الصراع وتشتد المنافسة.
6- النظام اللامركزي: وأعني به تفريغ القيادة لمسؤوليات التخطيط الاستراتيجي والتوجيه العام وترك الوظائف التقليدية للمؤسسات المحلية، والنظام اللامركزي هو الذي يسمح بتوسيع الشورى وتوسيع قاعدة المشاركة في العمل وتحمل المسؤوليات، فحاجات العمل الإسلامي كثيرة ومتنوعة والإحاطة بها بشكل فعال ومؤثر لا يمكن بالنظام المركزي وإنما يمكن باعتماد النظام اللامركزي، والنظام اللامركزي؛ هو الذي يمكن التنظيم من:
‌أ- توسيع دائرة الشورى، ودائرة المشاركة في العمل وتحمل المسؤولية، وهذا الأسلوب هو الأفضل في المحافظة على الوحدة وتفجير الطاقات واستيعابها وتوظيفها وهو الأفضل في التحصن من مؤامرات الاختراق الهادفة إلى ضرب الوحدة وزعزعة الاستقرار.
‌ب- توفير سلامة البناء التنظيمي؛ إذ من المعروف بالتجربة أنه كلما أمكن توزيع السلطة على هياكل التنظيم وبناه الهيكلية بنوع من العدل ـ يتناسب مع مسؤوليات التنظيم أو الهيكل ـ قوي الشعور لدى الطواقم القيادية في التنظيم بالشراكة في المسؤولية، ومن ثم قوي الشعور بواجب العطاء والتضحية وواجب الغيرة والدفاع عن الحركة، وفي ذلك خير كثير يتحقق للحزب ومشروعه ..
‌ج- توفير ميزة تفريغ القيادة المركزية للشؤون الكبرى والمهام الأساسية التي يقتضيها السير وتتطلبها المرحلة، إن تفريغ القيادة من هموم التنظيم ومن الشؤون الإدارية التي تستنـزف الطاقات، وتميت القدرة على الإبداع والتجديد، وتأكل الوقت هو أحسن ما يساعد القيادة على تطوير خطط السير، ومراجعة برامج وسياسات العمل وتدبير أمور البناء والمتابعة لشؤون الحركة الكبرى، وتحسين القدرة على إدارة الصراع مع قوى السلطة وقوى التغريب والعلمنة بكثير من حظوظ النجاح، كما يحرر القيادة ويمكنها من حسن النظر الإجمالي في المنظومة الفكرية والتنظيمية للحزب وفي مراجعة تجربته وتقييم نجاحه أو فشله وتقدير مسيرة الحزب أو التنظيم واستشراف مستقبله ومصيره.
‌د- يفيد في تكوين القيادات، لأنه يجعل من مؤسسات التنظيم في القواعد، مؤسسات مسؤولة على الوظائف التقليدية كأمر العضوية والاشتراكات والتجنيد والتعبئة والمحاسبة وتدبير شؤون التنسيق القاعدي بين العاملين؛ وكل ذلك من الأعمال المفيدة جدا في تدريب الأفراد وتكوينهم على أنواع من المهام التنفيذية التي يحتاج إليها الأخ القائد - أو المسؤول.
‌ه- ويفيد أيضا في توسيع العضوية في التنظيم أو الحزب لأن هذا النظام يحسس أعدادا كبيرة من أبناء التنظيم بمسؤوليتهم عن التمكين له وتقوية شأنه فيندفعون في كسب الأعضاء؛ وهكذا يتسع الحزب ويزداد انتشاره، وبذلك يزداد قوة وتمكنا، ويتحول مع الزمن إلى حالة اجتماعية داخل المجتمع فيقوى تأثيره فيه ويتمهد الطريق للنجاح في توفير عوامل النصر والتمكين بإذن الله.
8- التوازن في الصلاحيات بين مؤسسات التنظيم: إن التوازن في الصلاحيات أمر بالغ الأهمية إذا ما أراد الحزب لنفسه تطورا صحيحا في بنيته وأداء سليما في عمله ويمكن تجسيد التوازن من خلال: " التوازن في الصلاحيات بين المؤسسات القيادية .
" التوازن في الصلاحيات بين المؤسسات الوطنية والمؤسسات القاعدية.
" التوازن في الصلاحيات بين مؤسسات المداولة ومؤسسة التنفيذ.
9- التداول على المسؤولية: إن التداول على المسؤولية من أهم الآليات التي تقوي شرعية القيادات وتمنع تعسفهم وتقوي سلطة الرقابة لدى القواعد النضالية ومؤسسات المداولات، ولذلك كان من الحكمة البالغة اعتماد هذه القاعدة، ويلاحظ هنا أن التداول على السلطة يتحقق بمراعاة شروط الأهلية لكل مسؤولية، وتمكين الجهات المعنية صاحبة الحق من ممارسة حقها في الاختيار بشكل دوري وليس شرطا في إقرار هذا المبدأ اللجوء إلى سياسة إقصاء الطاقات التي تعاقبت على المسؤولية، لأن ذلك سيحرم الحزب من كفاءاته ويضعف من قوة تأثيره.(1)
هذا ولابد من الإشارة إلى ضرورة ربط إنشاء أي جهاز تنظيمي بالحاجة العملية إليه، فلا يقع الاندفاع في تأسيس أي هيكل أو واجهة تنظيمية إلا إذا كان الهدف المراد خدمته واضحا وكان الرجال الذين يسند إليهم ذلك متوفرين، كما لابد من مراعاة التخصص في إطار مفهوم الشمول بما يضمن حسن استيعاب الطاقات وحسن توظيفها وحسن الاستفادة منها، فما قد تقوم الحاجة إليه في مكان ويمكن الاستفادة منه قد لا تقوم الحاجة إليه في مكان آخر أو تصعب الاستفادة منه ( هذا على المستويات المحلية)، كما لابد من مراعاة القدرة على مراجعة الأجهزة وتطويرها بحسب تنوع برامج الحزب واهتماماته.

الشيخ عبد الله جاب الله

رئــيس حركــةالإصلاح الوطني