بسم الله الرحمن الرحيم
مداخلة الشيخ عبد الله جاب الله في ندوة حول إحياء الذكرى الثانية عشر لإنشاء اتحاد المغرب العربي منظمة من طرف جمعية البرلمانيين الجزائريين بالمدرسة الوطنية للإدارة الحمد لله القائل في كتابه العزيز "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" والقائل "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" والقائل "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد بن عبد الله الذي بعثه الله بالدين الحق فوحد به الشتات وجمع به القلوب وأخرج به أمة هي للعالمين نذيرا وبشيرا.
أيهـا السـادة الفضـلاء والسيـدات الفضليـات: أشكر جمعية البرلمانيين الجزائريين على هذه المبادرة الطيبة والتي أظنها الأولى من نوعها في موضوع الاتحاد المغاربي، واسمحوا لي أن أقف بكم في بداية مداخلتي عند بعض معاني الآيات التي تلوتها على مسامعكم في افتتاح هذه الكلمة فأقول: إن الله أمرنا بالوحدة والاتفاق ونهانا عن الفرقة والاختلاف، وفضلنا على سائر من خلق بأن جعلنا شهداء على الناس وحملنا كأمة مجتمعة مسؤولية الذود عن الدين وعن حدود الأمة وسائر مقدساتها، ومن ثم كانت الوحدة بين أجزاء الأمة فريضة شرعية اقتضتها طبيعة الدين وطبيعة واجبات الأمة في هذه الحياة وطبيعة الحياة نفسها، وقد وعى سلفنا الأول هذه الحقيقة فعملوا على تحقيقها بكل ما أوتوا من قوة الرجال والمال والأعمال حتى أضحت واقعا قائما فغزوا وملكوا وسادوا حوض البحر الأبيض المتوسط.
ثم ضعف التزامهم بدينهم، واستبد حكامهم بالحكم دون شعوبهم، وطغت نوازع الهوى والشهوات على حياة سادتهم ومترفيهم، وسار كثير من علمائهم في ركاب سلاطينهم، وكثرت الفتن داخل أقاليم حكمهم فضعف الأمن والاستقرار وقلت جهود التنمية والعمار، فضاعت الوحدة وضاعت معها العزة والكرامة والتناصر والموالاة، فاستغل العدو الرابض شمال البحر الأبيض المتوسط كل ذلك وتكالب على أقطارنا وعمل فيها بالسيف وزرع الفتن وتشجيع الفساد فزاد ذلك في ضعف قومنا ووهنهم وزال ملكهم وسيادتهم على الحوض، وأصبحت أقطارنا في قبضة الأعداء يسيرها كيفما شاء ويستغل منها ما يشاء وينشر بين سكانها كل ما يشاء من ضلال العقيدة وظلمات الفكر وفساد الخلق وانحراف السلوك ووهن العزائم، حتى هيأ الله للأمة رجالا فطموا عن الشهوات وتغلبوا على الأهواء، وحملوا أرواحهم على أكفهم فخاضوا معارك التحرير فانتصروا بعون الله وفضله، وسلموا لنا أقطارنا محررة من الاستعمار.
فلماذا لا نعرف لهؤلاء الرجال فضلهم ونذكر لهم جهدهم وجهادهم، ونتذكر ما وفروه من عوامل استحقاق النصر حتى انتصروا، ومن تلك العوامل تجسيدهم لمعاني الأخوة الإسلامية والتعاون الأخوي على القيام بأعباء الجهاد، لقد كان آباؤنا اخوة متعاونين على محاربة الاستعمار متناصرين على تحرير أقطار مغربنا العربي الكبير، فكلكم يذكر أن تونس والمغرب ما كانوا ليتحرروا لولا الجزائر وأن الجزائر ما كانت لتستقل لولا تونس والمغرب وليبيا ومصر وغيرها من دول العالم العربي التي جعلت نفسها فداء للجزائر، لقد شاركت يوم 08 نوفمبر 2000 في ملتقى الحوار الثوري الديمقراطي بليبيا ونظم إخواننا للأخ المجاهد الرئيس الأول للجزائر السيد أحمد بن بلة ولي زيارة إلى مدينة "الخمس" وبها الميناء الذي استقبل -فخر البحار- وهو أول يخت مصري محمل بالسلاح للثورة الجزائرية، فكان من استقبل السلاح وأنزله من السفينة وقام بنقله وإخفائه في مكان آمن لا تراه أعين الإنجليز الذين كانوا يسيطرون على الوضع هناك بضعة مجاهدين جلهم ليبيون، وكان أول سلاح وأكثره وصل إلى الجزائر ابتداء من عام 1952 يأتي من ليبيا. أليس هذا السلوك سلوك وحدوي؟ وأليست هذه المخاطرة مخاطرة وحدوية؟ ألا يدل ذلك على أن الوحدة بين الشعوب قائمة ؟ ولذلك اسمحوا لي أن أقول أن الحديث عن الاتحاد المغاربي حديث عن شيء جسدت ثورة التحرير بمعية أحرار قومنا في ليبيا وتونس والمغرب الكثير من معانيه، وحديث عن أمل يراود سكان هذه المنطقة العزيزة من وطننا العربي الكبير، وهو ليس حديث نفس، وحديث خيالات وأحلام، بل هو حديث تجتمع له كل شروط النجاح، فالمغرب العربي وحدة لا تتجزأ جمعها الإسلام بتعاليمه وأحكامه وجمعتها العروبة ببيانها وآدابها وجمعتها الجغرافيا بتضاريسها المختلفة بتلها وأطلسها وصحرائها ومناخها، وجمعها الانصهار العائلي وعادات وتقاليد أهالينا من ليبيا المشرق إلى المغرب الأقصى.
أيهــا الاخــوة والأخــوات:
إننا نملك إمكانية الاتحاد ونملك إمكانية إصلاح المعاول التي عرقلت وحدتنا وغذت عوامل الفساد بيننا، وأكثرها كما تعلمون عوامل داخلية وعوامل نفسية، ونملك إمكانية أن نستغل ما أنعم الله به علينا من دين ولغة وجغرافيا وتاريخ وعلاقات عائلية وعادات وتقاليد. فلماذا لا نعمل على تفعيل كل تلك العوامل وتسخيرها في خدمة آمال الأمة وحلم الآباء والأجداد في الوحدة ؟.
إن واجب استغلال كل هذه العوامل ملقى على عاتق كل أبناء المغرب العربي الكبير، وخاصة أصحاب القرار وذوي النفوذ والتأثير، شريطة أن يقتنعوا بوجوب وأهمية الوحدة وضرورتها وبأنها الأنفع لهم ولشعوبهم، والأرفع لشأنهم والأخلد لذكراهم، وأن يمتلكوا الإرادة السياسية التي تحول القناعة بالوحدة وأهميتها إلى واقع حي ملموس تراه الشعوب بأعينها وتعيشه بأبدانها وسائر أحاسيسها، وأن يقتنعوا بأن مصلحتهم ومصلحة شعوبهم الإقليمية والإفريقية والدولية لا ولي لها في الغرب ولا نصير إذا ظلوا ضعافا مهازيل مشتتين ومفرقين، وأن يتوقفوا عن النظر إلى الغرب على أنه المنقذ مما هم عليه من ضعف أو تأخر، ثم أن يلتفتوا إلى أوضاع شعوبهم الداخلية فيسلموا للأمة بحقها في السلطة والثروة ويجعلوا من الحكم أداة لحفظ دين الأمة ولغتها وتاريخها وصون حقوقها وحرياتها، وأن يجعلوا همهم إقامة أنظمة حكم ديمقراطية تعددية تتوفر فيها ضمانات الممارسة السياسية للجميع، وأن يعززوا من مؤسسات الرقابة على أعمال السلطة. فبكل ذلك تتمتن الجبهات الداخلية، ويتحرروا من عقدة الولوع بالغرب وتفضيل العلاقة معه على العلاقة مع العرب، وتتقوى الإرادة السياسية التي تضع ما تم الاتفاق عليه منذ معاهدة إنشاء الاتحاد المغاربي بزرالدة عام 1988 وقرار الإنشاء بمراكش عام 1989 موضع التنفيذ.
أيهــا الاخــوة والأخــوات:
إني أعتقد باستحالة أن ينهض قطر وحده ونحن نعيش عصر العولمة ونواجه أوروبا موحدة، وقد رأينا في تاريخنا القريب كيف سقطت تونس والمغرب في يد فرنسا بعد أن سقطت الجزائر مباشرة، وكيف نالا استقلالهما بعد أن انطلقت الثورة التحريرية مباشرة. أليس في ذلك عبرة لنا ؟ ألا يحمل ذلك الدليل على أن العدو ينظر إلينا نظرة واحدة ؟ ثم أليس في طريقة حوار الغرب معنا وما يستهدفنا به من مؤامرات ويرصده لنا من خطط الدليل على أننا في نظر الغرب شيء واحد ؟ وأليس في تجارب الشراكة التي تمت مع الغرب بصور منفردة ولم تكن ذات قيمة وفائدة عبرة من العبر التي يجب أن تزيد من حماستنا لوضع الاتفاقيات 37 التي بين دول الاتحاد منذ تأسيسه موضع التنفيذ ؟.
إن الدول القريبة من بعضها جغرافيا تسير نحو التكتل وتواجه التحديات السياسية والعسكرية وتحديات التنمية وهي مجتمعة، وفي تجربة الإتحاد الأوروبي على ما بين شعوبه من عداوات تاريخية قاتلة ومن تباينات كلية في الدين وفي اللغة والعادات والتقاليد والمصالح، ثم في تجربة مجلس التعاون الخليجي رغم كونه لا يزال يعاني هو أيضا من صعوبات كرستها أمراض حب الزعامة وتفضيل التعامل مع الأجنبي والخضوع للتأثيرات الخارجية، وغذتها عوامل نفسية بين كثير من زعماء وقادة المنطقة، في تلك التجارب عبر وعظات تزيد من قناعة النخب الحاكمة في منطقتنا بوجوب وأهمية الوحدة.
إن نخبنا الحاكمة لو فقهت كل تلك المعاني لسارعت إلى إقامة الوحدة، وأنا لا أدعو اليوم إلى الوحدة الاندماجية الكاملة من الآن فذلك حلم بعيد المنال في ضوء طبيعة القناعات المسيطرة على النخب في منطقتنا وفي ضوء موازين القوة المحركة والمسيطرة على السياسات الدولية وتوجهاتها، ولكنني أدعو إلى الوحدة التكاملية التي تحفظ لكل دولة خصوصيتها وتحفظ لكل نظام مصالحه، على أن تمهد هذه الوحدة التكاملية الطريق أمام الوحدة الكاملة في مستقبل الأجيال القادمة.
إن التأمل في ما حصل في هذا القرن من أحداث على المستوى الإقليمي والعربي والمتوسطي والعالمي، وما حل بأمتنا من مصائب كمصيبة عدوان أمريكا على زعيم من زعماء الأمة، قائد ثورة ورئيس دولة السيد العقيد معمر القذافي، وما انجرّ عن ذلك العدوان من قتل وتدمير، وكمصيبة لوكاربي وما سببته من حصار ظالم على ليبيا البلد الذي طوق خير شعبه أعناق الجزائريين كلهم أثناء الثورة وبعدها، وكمصيبة العدوان على العراق والحصار المفروض على قومنا هناك منذ أكثر من عشر سنوات والضربات المتلاحقة عليه من قبل أمريكا وبريطانيا، وكمصيبة احتلال اليهود لفلسطين والجولان وأجزاء من جنوب لبنان، وما تقوم به دولة الكيان الصهيوني من قتل يومي لإخواننا وقومنا في فلسطين، وكمصيبة استغلال الغرب لخيرات أوطاننا وتدخله المستمر في شؤوننا وكأننا قطع تابعة له وأوطان خاضعة لنفوذه. إن التأمل في كل ذلك يؤكد لدينا القناعة بازدياد الحاجة إلى الاتحاد وجمع الكلمة، فلو كنا متحدين وكانت كلمتنا مجتمعة لما تجرأت أمريكا على ما تجرأت عليه في ليبيا والعراق وما وجدت لليهود دولة في أرضنا وأحب بقع وطننا إلى قلوبنا بعد مكة والمدينة.
ولا سبيل لعودة عزتنا ومكانتنا في العالم إلا بعودتنا إلى إسلامنا ووحدتنا ولغتنا، وإن هذا اليوم لآت "إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا".
أشكركـم والسـلام عليكـم ورحمـة الله وبركاتـه.
رئــيس الحركــة
الشيخ عبد الله جاب الله