الحمد لله الذي دعانا إلى الصلح ورغبنا فيه في قوله تعالى: "والصلـح خيـر" وفي قوله تعالى: "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس".
والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله الذي بيّن منزلة الصلح والإصلاح بين الناس لما قال لأبي أيوب الأنصاري: "ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا" وقال -صلى الله عليه وسلم- "من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد".
فانظروا رحمكم الله كيف يكون ثواب من يسعى في الصلح بين فصائل أمة راح منها بسبب الفتنة القائمة أكثر من مآئة وخمسين ألف قتيل، وهدمت آلاف المساجد ومئات المدارس والمرافق، وآلاف المفقودين والمسجونين والمفصولين من وظائفهم، لا شك أن ثواب السعي في الإصلاح عند الله لا يعدله ثواب أي عمل أخر، إنه ليست هناك خطوة أحب إلى الله عزّ وجلّ من الخطوة التي تُقطع في طريق إصلاح ذات البين، وإني لأرجو من الله تعالى أن يكتب لكل واحد منكم بكل خطوة خطاها نحو هذا اللقاء الذي جعلنا موضوعه العام الأزمة الجزائرية وسيبل حلّها ثواب الساعي في إصلاح ذات البين.
أيهــا الإخــوة والأخــوات لقد كثرت المشاكل التي تواجه الأمة حتى غلبت عقول كثير من القادة وركن أكثرية الناس للواقع واستسلموا له بما فيهم الكثير من قادة الفكر ورجال السياسة وأصبح معظم هؤلاء يراهن على مصالح موهومة أو جزئية أو خاصة، ويقدمها على مصالح الأمة العصبية في الدين واللغة والتاريخ والدماء والأعراض والثروة، وهي المصالح الضرورية والشاملة والكلية واليقينية، وهذا سلوك لا يقبل وتصرف لا ينفع، لأن المتضرر بكل تلك المشاكل وغيرها مما تعرفون وتتألمون هي الأمة وهو الوطن.
إن الجواب الذي نؤمن به وندعو إليه هو أن السكوت في مثل هذه الحالات جريمة كبرى لا تكون إلا من إنسان عاق للأخوة الوطنية إن كان وطنيا، ومارق عن الأخوة الإسلامية إن كان مسلما، فالدين والوطنية يتعاونان في إدانة السكوت، وكلاهما يدعو إلى وجوب التحرك لوضع حد لهذه المؤامرة التي طال ليلها والتي نعتقد أنه قد حان الوقت للتعاون من أجل وضع حد لها.
أيهــا الإخــوة والأخــوات إنني أعتقد بأن نخبة الأمة الوفية لدينها والمحبة لوطنها وأمتها مدعوة إلى أن تتحسس الشعارات السياسية التي تقتضيها الظروف القائمة وهموم الأمة الحاضرة، ثم الاتصال بالوسائل اللازمة لوضع هموم الأمة وانشغالاتها موضع التنفيذ، وليس بخاف على أحد منكم أن همّ الهموم هو همّ المصالحة الوطنية التي تضع حدا للدماء والدموع وحالة اللاشرعية وممارسات الاستغلال والاحتكار السياسي والتلاعب المالي.
كما أنها مدعوة إلى تطوير أسلوب المناصرة لقضايا الأمة المركزية بما يؤدي إلى تعبئة كل أو أغلبية الطاقات المؤمنة بالمصالحة الوطنية والصادقة في النضال من أجل تحقيقها، ثم تعمل هذه الطاقات على دعم مسعاها هذا بقوة الجماهير الشعبية، فلا تقتصر في نضالها على النصح العام وبيانات التنديد، ولقاءات التلاوم أو التناصح، بل لا بد من أن تأخذ بكل وسائل التحريض والتعبئة لتحريك الجماهير ثم تحمل بقوتهم على الحكام في سبيل تحقيق أهداف المصالحة، ولعله من الضروري لمثل هذا التحرك الإستراتيجي قيام إطار تنسيقي يتحرك بمشروع عملي قادر على تحقيق المصالحة الوطنية.
إن هذه الدعوة لا تدخل في شيء من المنافسات الانتخابية، لأن أهدافها أجّل من ذلك وأعظم، إنها دعوة إلى قضية تسمو على كل القضايا الحزبية أو الانتخابية أو السياسية الأخرى، إنها دعوة إلى شيء بدونه لا تقوم القضايا الأخرى على ما قد يكون لها من قيمة أو أهمية لا تقوم لها قائمة، إنها دعوة إلى المصالحة التي تأتي بالأمن والاستقرار والشرعية وهو الثلاثي الضروري لكل مشروع حزبي أو مشروع انتخابي أو مشروع تنموي أو أي مشروع آخر سواء كان داخليا أو خارجيا.
ولعل أولى حملات التعبئة السياسية الفاعلة هي رفع شعار "عشر سنوات بركات " وتوجيه نقد سياسي صريح قوي وواضح لسياسة تسيير الأزمة التي اعتمدها النظام إلى حد اليوم، وفضح ممارسات العدوان على مقومات شخصية الأمة وحقوقها المختلفة، ونقد مواقف الأحزاب في قضية الازدواجية في الخطاب والممارسة والتباين الفاضح بين الشعارات المرفوعة كشعار المصالحة وشعار احترام إرادة الأمة في الانتخابات، وبين التأييد المستمر للنظام والانخراط معه في الحكم والمساهمة في تسيير شؤون الدولة، وأن نقد كل ذلك وفضحه قد يفيد في عزل الجماهير عنهم أو على الأقل قد يفيد في دفع مؤيديهم وأنصارهم إلى الضغط على قيادتهم ليعودوا إلى نصرة قضايا الأمة بصدق ويتخلوا عن سياسة الازدواجية ومبدإ الغاية تبرر الوسيلة.
فإذا تحقق مثل هذا فقد تحقق عندئذ من النضج السياسي ما يقود لا محالة إلى تطوير وسائل التعبئة وكامل أهدافها الجزئية، فيصبح العمل قائما وفق استراتيجية جامعة تتخذ كل الوسائل وتستعين بكل قوى الضغط السياسي، وتنزل إلى الجماهير في مواقعها ومناطقها وفي مدنها وقراها وبذلك يتم الضغط على السلطة ويتحقق دفعها للقبول بالمصالحة الوطنية الحقيقية.
إننا إذ ندعو إلى فكرة الإطار التنسيقي من أجل المصالحة الوطنية ندعو إلى تجاوز حدود الدعوة والنصح العام للنظام والقوى السياسية الموالية له، وتجاوز حدود التعبئة الطارئة والجزئية لتصل إلى مستوى الالتزام والولاء لمشروع تيقنا جميعا من أهميته وضرورته وأولويته عن كل المشاريع الحزبية الأخرى وهو مشروع فرض المصالحة الوطنية.
وأعتقد أننا لما نقيم ولاءنا والتزامنا على هذا المشروع وهو مشروع سياسي شعبي -وطني- نبرهن على أننا بلغنا من الثقة بأنفسنا درجة توجب علينا أن نقوم مقام استقلال عن النظام ومنافسة له، وبلغنا درجة من ضعف الثقة بالآخرين لا يجدي معها النصح والضغط السياسي العادي لخدمة مقاصد المصالحة … وبهذا يتحول عملنا من عمل تنسيقي بسيط ومحدود في شكله ومضمونه إلى عمل تنسيقي قوي وواسع، يجعل منا هيئة ضغط حقيقي وهيئة عمل متميز، وإذا تم مثل هذا فإن الجماهير ستتبرأ من ولاءاتها السابقة وستنحاز إلى مشروعنا فالجماهير يئست من النظام ومن الأحزاب الموالية له وتبحث عن بديل حقيقي يتبنى همومها وانشغالاتها في المصالحة والأمن والشرعية والعدالة والتنمية، يتبنى كل تلك الهموم بصدق ويضحي من أجل تحقيقها بكرم نفس وسخاء يد ..
إن هذا الذي ندعو إليه هو تعاون القوى الحية في الأمة التي لم يكن لها دور في الأزمة التي عصفت بالبلاد ولا تزال، والتي يشهد لها تاريخها أنها ذات وفاء وصدق وأمانة وشجاعة وكرم، فتدافع طلاب المصالح الذاتية أو الحزبية وتزاحمهم عند الصفوف الأمامية حتى تحتل موقع القيادة المعنوية لأمة طال انتظارها لهذه القيادة.
إن الحاجة لمثل هذا التعاون الجاد اليوم أكثر من ضرورة، فهناك إلى جانب سياسات العدوان على حقوق الأمة، ومؤامرة علمنة المجتمع - بعلمنة المنظومة التربوية على سبيل المثال لا الحصر - وسياسة تسيير الأزمة وترويض الأمة على التعايش معها .. وهي ولا شك مسائل تفرض تعاون القوى الفاعلة للتصدي لها، هناك القناعة بضرورة إشراك كل طاقات الأمة الصادقة في النضال من أجل المصالحة، سواء كانت هذه الطاقات في الأحزاب أو في الجمعيات أو كانت في الجامعات والمساجد والجرائد، أو في الإدارات والمصانع والمتاجر، وهناك القناعة بأن المصالحة لا تتحقق في البلاد إلا إذا وجد تيار شعبي قوي وواع يؤمن بها، ويستعمل كل الوسائل السلمية في التضحية من أجل فرضها بكل غال وعزيز.
إن دواعي هذا التنسيق اليوم - كما رأينا - قائمة أكثر من أي وقت مضى، فهل نحسن استغلال هذه الدواعي ؟ هذا هو المؤمل فيكم في هذا اللقاء أو في لقاء آخر، فالأمر موكول لكم موكول إلى إحساسكم بالخطر الذي يتهدد أمتكم اليوم وفي الأجيال القادمة، وإلى قناعتكم بالحاجة إلى تعاونكم لدرء هذا الخطر، واستعدادكم للتضحية من أجل تجاوزه ووضع حد له.
"والصلــح خيــــر"
والسـلام عليكـم ورحمـة الله تعالـى وبركاتـه
رئــيس الحركــة
الشيخ عبد الله جاب الله