كلمة رئيس الحركة في دورة مجلس الشورى الوطني المنعقدة بالجزائر يوم 16 صفـر 1422 هـ الموافق لـ 10 مــــاي2001
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اسمحوا لي في البداية أن أقف وقفة ترحم وتقدير لكل الذين سقطوا دفاعا عن حقوق الدين والأمة والوطن خلال سنوات الأزمة الطاحنة التي أتت على ما يزيد عن 150 ألف قتيل، وأن أترحم على الشباب الذين سقطوا ضحايا المطالب الاجتماعية خلال الأيام الأخيرة في منطقة هي من أعز المناطق علينا وأكثرها إيثارا لاهتمامنا وانشغالنا.
واسمحوا لي أن أحييكم تحية المسلم المجتهد في أن يكون بعون الله بارا بدينه ولغته، ومحبا لشعبه ووطنه، وصادقا في نضاله وجهاده من أجل إحياء مجد الإسلام والعروبة ورفع العدوان الواقع على حقوق الأمة إلى المسلم البار بدينه ولغته، والمتصف بالصفات التي نسبتها إلى نفسي نسبة تكليف وتشريف، وأنسبها إليكم نسبة تكليف وتعظيم وتقدير، فأنتم في نظري مادة الإسلام الذي هو أصفى ما نزل به الوحي من لآلئ، ومادة العروبة التي هي أكرم ما أنجبت البشرية من سلائل فأقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما اليوم فإن الاستعمار الجديد يأتي عن طريق ما يسمى بالعولمة التي هي سمة النظام العالمي الجديد، والذي يسعى فيه القادة الغربيون عامة والأمريكيون خاصة إلى الهيمنة الشاملة على العالم عبر وسائل متعددة ومنظومة دولية معقدة صيغت لتمكن أمريكا خاصة وبعض الدول الغربية كفرنسا وإنجلترا وألمانيا عامة من بسط سيطرتها على العالم واستمرار استغلالها لثرواته.
ومن أخطر أدوات النظام العالمي الجديد أو العولمة، أداة العلمانية ليتراجع الدين عن معظم جوانب الحياة وأكثرها تأثيرا على واقع الناس ومستقبلهم، ويفسح الطريق أمام ما يسمى بحداثة الغرب، وقد كان نصيب الجزائر من هذه الأداة نصيبا موفورا كما سيتضح لنا عند الحديث عن أهم معالم التآمر على الذات العربية الإسلامية للشعب الجزائري.
ومن أدواتهم أيضا الربط بين "الديمقراطية" و"حرية السوق" ودفع البلاد الفقيرة للارتماء في أحضان صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وتطبيق وصفاته المتعلقة بتعويم العملة ورفع الدعم عن البضائع واسعة الاستهلاك، وخصخصة المؤسسات ببيعها للشركات الكبرى تحت اسم الاستثمار، وشل يد الحكومات عن حماية شعوبها .. إلى غير ذلك من الإجراءات التي تترك الحرية للذين يملكون في استغلال المحرومين من غير وازع من دين ولا رادع من قانون.
ومن أدواتهم في علمنة الأنظمة والمجتمعات إفساد الأجيال عبر إفساد التعليم والإعلام تحت ذرائع متعددة منها حياد التعليم والحق في المعرفة والإطلاع على كل شيء، ونشر الفجور وحمايته ونشر الخمر والميسر والترويج له لإتلاف الأموال وإفساد العقول وتخريب البيوت.
ومن أدواتهم في فرض السيطرة على الدول والالزام بالعلمانية والديمقراطية الليبرالية الإرهاب الفكري والحصار الاقتصادي والسياسي ونظام المقاطعة الذي دأبت أمريكا عليه مع كل نظام تقدر أنه لا ينقاد إلى سياساتها ولا يرضخ لخدمة ورعاية مصالحها، ويريد أن يكون له نوع من الاستقلالية في القرار والاحترام لمقومات شعبه وثرواته كما هو حال موقفها من العراق وإيران والسودان وليبيا …
ومن أدواتهم في فرض هيمنتهم على العالم ما يسمى بمبدإ حق التدخل لحماية الأمن القومي -الأمريكي- أو حماية حقوق الإنسان أو حقوق الأقليات، ووسيلتهم في ذلك الهيآت والمنظمات الدولية الكبرى وفي مقدمتها مجلس الأمن والأمم المتحدة والحلف الأطلسي، التي تحولت كلها إلى مؤسسات لتسجيل وتنفيذ الرغبات الأمريكية وتحول دورها إلى ساتر ومبرر قانوني للمخططات الأمريكية وأداة التنصل من الجرائم واثبات البراءة للإدارة الأمريكية خاصة وبريطانيا وفرنسا عامة.
إن الدارس بوعي للنظام العالمي الجديد يجد أنه استعمار أسوأ من الاستعمار القديم نفسه، ويكفي أن أشير إلى أن العالم اليوم وبعد 50 عاما من هيمنة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي يعيش محطما، نهب فيه الغرب كما يقول الفيلسوف روجيه جارودي في كتابه -أمريكا طليعة الانحطاط- ثروات 4/5 سكان العالم، فـ 20 % من سكان العالم يسيطرون على 80% من موارده الطبيعية، و20% من الأكثر غنى في العالم يسيطرون على 83% من الدخل العالمي، و 20% من الأكثر فقرا في العالم يملكون 1.4 % فقط من الدخل العالمي، و400.000 شخص يموتون كل يوم من الجوع أو سوء التغذية، وأن الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة قد زادت من واحد إلى ثلاثين قبل ثلاثين سنة إلى واحد إلى مائة وخمسين بعدها، وأن هذا النظام هو المسؤول عن قتل أكثر من مليون شخص من أطفال العراق لا تزيد أعمارهم عن 5 سنوات في المستشفيات وغيرها، وليس نصيب الجزائر من هذه المصائب بقليل ومثال ذلك ما اعترفت به ندوة الفقر المنعقدة السنة الماضية بفندق الأوراسي من أن أكثر من 20 مليون جزائري يعيشون الفقر المدقع.
إن هذا النظام العالمي هو الذي يريد التيار العلماني التغريبي الاستئصالي تعبيدنا إليه، وقد أخذ عمله اليوم لفرض هذا النظام وتطبيق سياساته علينا صورا واضحة ومكشوفة، وإذا نجح-لا قدر الله- في تطبيق مخططه أدخلنا والأجيال القادمة في دوامة من الفتن والفوضى والاضطرابات، وفي حالة من الجهل والفقر والفساد والعبودية لا يعلم نتائجها إلا الله سبحانه، لذلك وجب علينا أن نعري هذه المؤامرة وأن ننبه إلى مخاطرها وأن نحدد مواقفنا من آليات تنفيذها بوضوح ومسؤولية، وفي مقدمة هذه الآليات اليوم مشروع المنظومة التربوية، التي تجاهلت كل المرجعيات والثوابت المعرفة بهذه الأمة والمميزة لها عن غيرها من الأمم، والمضفية على كيانها السياسي صفة الوجود المستقل والمؤثر في مجريات التاريخ والحضارة العربية والإسلامية.
لقد تجاهلت الإسلام وهو الدين الذي ارتضاه الله لخلقه وشرفنا بأن هدانا إليه، وجعله منذ أن أصبحنا من أتباعه سرّ قوتنا وعامل وحدتنا وسبيل عزنا وسعادتنا، وتجاهلت العربية وهي كما تعلمون شعيرة من شعائر ديننا بها نقرأ قرآننا وسنة رسولنا -صلى الله عليه وسلم- وبها نعبد الله ونتقرب إليه، وبها نتعارف ونتواصل مع إخواننا العرب، وبها نعرف ما سجل آباؤنا من مآثر علمية وفكرية وسياسية وعسكرية، فنربط حاضرنا بماضينا ونبني لأجيالنا مستقبلا موصولا بذلك الماضي، فيعيشون بميزات دولة وتراث أمة حق لها أن تتيه على كثير من الأمم بأمجادها في العلم والمدنية، ولا أشك أن تجاهل المنظومة التربوية لكل ذلك وانخراطها في متاهات الفرنسة لغة وفكرا وحضارة هو حرب خطيرة على الذات الإسلامية العربية للشعب الجزائري، وحرب على وحدته وأمنه واستقراره، ومن ثمّ حرب على مصالحه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لأنه من المستحيل أن تنهض منظومة تربوية غريبة عن الأمة أن تنهض بتلك الأمة، وأن تحافظ على وحدتها وتعزز أمنها واستقرارها، نقول هذا الكلام بالاختصار المفيد ونبينه بالتفصيل غير الممل بالصورة التالية.
ثانيـا: الإســــلام:
لقد كانت الجزائر منذ الفتح الإسلامي أرض الإسلام احتضنت شجرته وتعهدتها بالرعاية حتى ترعرعت وأتت أكلها طيبا مباركا منذ القرن الأول للهجرة، وارتبط تاريخها منذ ذلك الوقت بتاريخه فكان هو المرجع الوحيد لها في التشريع والقضاء والتنفيذ، وهو المهيمن الوحيد على العبادات والعادات والمعاملات، وهو الحاكم في حياة الأفراد والأسر والجماعات، والموجه لكل ما يصدر عنهم من أعمال، الكل يدين به ويحترمه ويدعو إليه ويعمل على نشره وترقيته، ومن قرأ تاريخ الدولة الجزائرية ودرس ما سجله أبناؤها من روائع في العلم والمدنية، وما حققوه من تطور وازدهار، وما قدموه من نماذج فذة في الشجاعة والتضحية والفداء، وما امتازوا به من حكمة وحنكة وبطولة في الحرب والسلم، من قرأ هذه التواريخ وتعرف عليها علم مقدار ما منحه الإسلام لهذا القطر من سمات خالدة وخصائص متميزة جعلت من شعبنا دائما الرافد الذي يزود الأمة بالعلم والمعارف والحائط الذي تتحطم عليه الحملات الصليبية في مراحل تاريخها المختلفة.
إن التاريخ يشهد بأن سكان هذا البلد بعد أن تعرفوا على الإسلام وأدركوا مقاصده أقبلوا عليه جماعات جماعات حتى لم يبق منهم أحد إلا ودخل في دين الله سبحانه، فاستقرت العقيدة في القلوب واطمأنت النفوس بالعبادات واستقامت الجوارح بالأخلاق والمعاملات، وساد العدل وحفظت المصالح وصينت الحقوق وعمّت المساواة وتمتنت الوحدة وتعايش الناس على المحبة وتعاونوا على البر والتقوى، وما من حكومة تعاقبت على هذا البلد إلا وحرصت على أن تزيد في ترسيخ الإسلام وتقوية بنيانه، والتي لم يحالفها الحظ لتفعل ذلك لم تنقص مما ورثته، فلم يسجل التاريخ أن حاكما من حكام الجزائر مهما بلغ استبداده بالمواطنين ما بلغ لم يسجل أنه تطاول على الإسلام وحارب الله سبحانه في دينه بتعطيل أحكامه وتهميش لغته وتخريب بيوته أو منعها من أن يذكر فيها اسم الله أو بتعطيل شعائره، إلى أن جاءت فرنسا واستعمرت الجزائر فعملت على تطبيق برنامج يعجز الشيطان أن يأتي بمثله، يهدف إلى القضاء على الإسلام والعربية وإذلال أهلها، وقد سلك لذلك سبلا شتى لخصها الإمام البشير الإبراهيمي فقال بعد حديث طويل "خب الاستعمار وأولع في هذا المضمار وجمع على حرب الإسلام كل ضال من أبنائه وكل دجال وكل مبتدع وكل متجر بالدين، يشجعهم ويرعاهم ويكرمهم ليحاربوا الدين الحق بالدين الباطل، وظاهرهم بجيش آخر من المبشرين يحميهم ويمهد لهم الطريق، وبجيش آخر من الذين أنشأتهم مدارسه على درجات تبدأ بالزهد في الإسلام ثم بالتنكر له والازدراء، ثم بالمروق منه…"
لقد نجح هذا الجيش الذي أنشأته مدارس فرنسا في التوالد والتكاثر من خلال نفاده إلى مؤسسات الدولة حتى أصبح اليوم صاحب تأثير واضح في قراراتها، وأصبحت له جبهات سياسية وجمعوية كثيرة، وله سيطرة شبه كاملة على الإعلام والاقتصاد، وامتلك بذلك موازين القوة التي تسمح له بالتأثير لا سيما خلال سنوات الأزمة التي أحسن تغذيتها واستغلالها في الانتقام من الإسلام فعمل على تشويه صورته لدى الأمة وهدم مآت المساجد، وأقال مآت الأئمة والنظار الرساليين، ونصب غيرهم ممن يدينون له بالولاء ويتوخون رضاه ويخدمون مصالحه، ويفتون ببدعية العمل السياسي وعدم جواز العمل على إسقاط الحاكم ولو بالطرق السلمية، وتشجيع الخرافات والبدع والضلالات التي كادت أن تقضي عليها الصحوة، فأحيا الزوايا وشكل لها جمعيات ومنحها اعتمادات مالية، ومهد لإلغاء الأحكام الثابتة في قانون الأسرة بأدلة قطعية ليزيل عنه الصفة الشرعية فيزول القانون الوحيد في المنظومة القانونية المستمد من الشريعة الإسلامية، وعمد إلى التعليم ففصل الآلاف من الأساتذة والمعلمين بحجج شتى بعضها فيه نظر ومعظمها مرفوض وغير مقبول، وفعل نفس الشيء في مؤسسات الدولة الأخرى بعد أن اطمأن إلى أنه أصبح اللاعب المؤثر الوحيد في دواليب السلطة، شرع في محاولة علمنة المجتمع بالقضاء على الإسلام والمواد ذات الصلة به في المنظومة التربوية حتى تنسى الأجيال القادمة دينها ولغتها وتاريخها، وتجهل أمجادها وعروبتها فتصفو بذلك لفرنسا وتصبح فرنسية الفكر واللسان والمشاعر والعواطف.
إن هذه الحرب المعلنة من طرف التيار العلماني التغريبي الاستئصالي على الإسلام والعروبة يجب أن تعرى للرأي العام حتى يعرفها حق المعرفة، ويتخذ منها الموقف المناسب، وإني أرى بأننا مسؤولون مسؤولية كاملة على القيام بهذا الواجب، وقد أدركنا خطر ما يتهدد ديننا ولغتنا وتاريخنا ووحدتنا واستقرارنا منذ أمد بعيد، وقوي يقيننا يوم أن تم تأسيس لجنة إصلاح المنظومة التربوية وجعلوا معظم أفرادها من التيار العلماني، ولذلك جعلنا محور نشاطاتنا على قلة ما بأيدينا من إمكانات تحسيس الأمة بالخطر الداهم ودعوتها للاتحاد والتجند الجماعي لصده، فكان أن نظمنا في السنة الماضية أكثر من 43 تجمعا واجتماعا شعبيا ، ولما صدر تقرير اللجنة وجاء مثلما تخوفنا وأكثر استأنفنا نشاطنا لتعريته ودعونا إلى تشكيل جبهة وطنية للتصدي لهذه المؤامرة، وقد بدأت الاستجابة لهذه الدعوة تنمو وتزداد يوما بعد يوم، وإني لأرجو أن تتوج بالإعلان عن ميلاد هذه الجبهة أو التنسيقية قريبا -إن شاء الله-.
ثالثـا: اللغـة العربيـة:
إن أخذنا باللغات الأخرى هو سعي في امتلاك وسيلة من وسائل التقدم التكنولوجي (التقني) الذي سبقتنا فيه الأمم المتحضرة، وهو بلا ريب أخذ بسبب من أسباب الكمال في هذه الحياة الدنيا، وهذا في ذاته واجب من الواجبات الدينية وضرورة من ضرورات الحياة البشرية، نقول به وندعو إليه ونشجع عليه، إلا أنه لا يقبل أن يتحول إلى سبب يلغي لغتنا أو يحجم دورها في حياتنا، وهذا للأسف ما يحاوله مشروع المنظومة التربوية المقدم لرئيس الدولة.
لقد حجم ساعات التدريس بالعربية فأوجب تدريس الرياضيات والفيزياء بالفرنسية ابتداء من المتوسط، ومنع الدراسات العليا بالعربية وأوجبها باللغة الفرنسية، ونص على تدريس الفرنسية من السنة الثانية ابتدائي، وكل هذا يزيد من إبعاد العربية عن حياة الأمة وتعاملاتها المختلفة، لا سيما في الإدارة والاقتصاد والعلاقات السياسية والدبلوماسية، وفي الإعلام والقضاء، وإذا أبعدت العربية عن تلك المجالات أصبحت غريبة في ديارها، فهل تبقى لنا قيمة أو يكون لنا وجود بين الأمم الأخرى ؟ وهل بمثل هذا يكون الوفاء للدين والشهداء ؟ ويحافظ على الاستقلال ؟ إن العربية هي وسيلتنا إلى الكمال الروحي والأخلاقي والفكري، وهي قطعة من وجودنا وسر من أسرار عزنا وقوتنا، ومظهر من مظاهر سيادتنا واستقلالنا، وجزء أساسي من كياننا السياسي والديني وشرط لازم في بقائنا كأمة بين الأمم، واستمرارنا في إثراء الحضارة الإنسانية والتقدم الإنساني، وهي إلى جانب ذلك خزانة ثقافتنا وسجل تاريخنا وذكرياتنا، ومرآة عصور أمتنا الطافحة بالمجد والعلم والبطولة، فبها ساد آباؤنا وحكموا، وبها تعلموا وعلموا، وبها تعاملوا مع الأمم الأخرى في حالات السلم وأوقات الحرب، ولذلك فإننا نعتبر أي مساس بها مساس بكل تلك المعاني، ولا يقدم على هذا إلا إنسان مغموز العرق في نسب العروبة أو مدخول العقيدة في حقيقة الدين كما يقول الشيخ البشير الإبراهيمي.
رابعـا: الأمازيغيـــة:
إنه لم يشهد تاريخ الإسلام أمة من الأمم التي آمنت به دينا شاملا لجميع جوانب الحياة، تنازلت عن لغتها وسائر قيمها ومكونات شخصيتها لدين الإسلام ولغته مثل أمة البربر التي كانت تسكن هذا الإقليم الممتد على طول ما يسمى بالشمال الإفريقي ، لقد تنازلت أمة البربر عن لغتها إلى اللغة العربية، وعن وثنيتها إلى دين الإسلام طوعا لا كرها، ورغبة وحبا لا قهرا وإجبارا، حتى أصبحت الأمة البربرية كلها أمة مسلمة عربية، يشهد لذلك تاريخها كله فجميع الدول التي تعاقبت حكم هذا الشمال الإفريقي دول بربرية الاسم والعصبية، ملوكها وقادة جيوشها وجميع حكامها من صميم البربر، وقامت نهضات علمية أثرت الحضارة الإسلامية، وساهمت في نقل علومها إلى أوروبا باللغة العربية، فقلعة بني حماد ومدينة بجاية وتيهرت وتلمسان ومسيلة وبسكرة وقسنطينة كانت قلاع للعلم والحضارة أنجبت فطاحلة في شتى أنواع العلوم من الفقه والأصول والحديث، إلى التاريخ والأدب والفن وعلوم اللسان العربي، إلى الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء.
لقد كان هؤلاء السلف خدمة كراما للإسلام والعربية، ولو أرادوا أن يخدموا دينهم وقومهم ووطنهم بالبربرية لما منعهم أحد من ذلك، ولكنهم لم يفعلوا لأنهم كانوا أصدق في الإيمان وأوفى للإسلام وأبر بالعروبة وأوفى لأصولهم العربية، رغم ما تعرضوا له من ويلات ومصائب جرّها عليهم شمال البحر الأبيض المتوسط، الذي ما فتئ منذ قويت شوكته يشن عليهم الغارات والحروب، يريد القضاء عليهم وطمس معالم حضاراتهم فكانوا دائما يواجهونه بقوة وعزيمة يحركها الإيمان بالله وحب الاستشهاد في سبيله، ويمن الله عليهم بفضله ونصره فيخرجوا من تلك الأعاصير أصفى جوهرا وأثبت عزيمة، حتى كان الاستعمار الفرنسي الذي هو أسوأ ما عرفت البشرية من استعمار، لأنه لا يقنع بالسيطرة على ظواهر الأشياء من صنوف المعادن وأنواع الزراعات والمواشي، بل يمد يده ومكره ودسائسه إلى العقيدة الدينية والعبادات والأخلاق والعادات والمعاملات واللغة والآداب وسائر العلاقات، ويعمل على إفسادها بكل الوسائل والطرق، وكان من دسائسه أن زرع نبتة البربرية وتعهدها بالرعاية حتى كون جيشا من أنصارها يموتون من أجل إحيائها وفرضها على سائر الأمة، ليس حبا فيها ولكن رغبة في القضاء على وشائج القربى بين أفراد المجتمع الجزائري، وحبا في إفساد عوامل الثقة والمحبة والتماسك بين أبناء شعب برهن منذ أن أسلم وتعرب على أنه عصي على الاستعمار.
إن الجيش الذي كونته فرنسا والذي يعرف اليوم بالتيار التغريبي العلماني الاستئصالي تمالأ أفراده على العدوان ورضوا بالظلم للأمة وحرب مقومات شخصيتها لا سيما الدين واللغة والتاريخ والثروة، فكانت سياسة الإقصاء وممارسات الاستئصال التي عاشتها البلاد خلال سنوات الجمر ولا تزال ممهدات لما ظهر اليوم في مشروع المنظومة التربوية من حرب للإسلام والعربية والتاريخ.
لقد تمكن دعاة القبائلية من غرس هذه النبتة في نفوس أكثرية قومهم بسبب ما تمتعوا به من دعم وتأييد دوائر نافذة في السلطة وخارجها، داخل البلد وخارجه، وبسبب عدم وجود أي عمل مناهض لهم وكاشف لنشاز نغمتهم وخطر دعوتهم على الإسلام والعربية والوحدة الوطنية، وهو ما حاولت منذ سنين بعيدة دفع بعض أبناء المنطقة له، فنصحتهم بتبني المطلب بالحرف العربي والمحتوى الإسلامي ولكنهم -للأسف- لم يفعلوا، فبقي هذا المطلب حكرا على التيار العلماني الاستئصالي فازداد نفوذه في المنطقة وصار يتصرف فيها كيفما يشاء، ولم يبق المطلب الأمازيغي مقتصرا على ترقيته في منطقة القبائل، ولا على تدريسه لقومه ولا على أن تكون له نشرة إخبارية يومية وهو ما تحقق لهم منذ سنين، وإنما تجاوز ذلك إلى محاولة ترسيمه في الدستور وتعميمه على كل الوطن، وقد وعدوا بذلك في خطاب الرئيس مساء 30 أفريل 2001 على إثر الأحداث الدامية التي فجروها في منطقتهم، وما هذا في نظري بإنصاف للأمازيغية ولا بالإكرام لأهلها، ولا بالاعتراف بأصالتها في هذا الوطن ولا بحقها في الحياة فيه.
إن بقاءها حية في مناطقها كل هذه القرون من حكم الإسلام والعربية شهادة للإسلام بالعدل والاحسان، وللعربية بحسن الجوار وكرم المعشر، فلو كان الإسلام دين قهر واستبداد لمحا البربرية وأزالها من الوجود منذ أمد بعيد، فلماذا إذا هذه الدعوة للتكفل بها وترسيمها ؟ ولماذا هذا النضال وهذه التضحيات الكبيرة ؟ ولماذا هذا التحدث المستمر بالفرنسية وهذه الدعوة للأمازيغية بالفرنسية ؟ ولماذا هذه الحرب المعلنة على الإسلام والعربية خصوصا في هذه المنطقة ؟ ولماذا النظر إلى العرب على أنهم استعمار ؟ ولماذا تشجيع التبشير ودعمه في هذه المنطقة أكثر من غيرها ؟ ولماذا يكون معظم رموز العلمانية ودعاة الفساد والتفسخ من أبناء هذه المنطقة ومن دعاة الأمازيغية ؟ إلى غير ذلك من التساؤلات الجوهرية التي تطرح نفسها علينا وتلح في الإجابة عليها.
إن هذا السلوك وهذه الحرب وتلك الدعوات تدجيل سياسي ومكر استعماري بهذه الأمة، يريد تفريقها وزرع عوامل الشقاق بينها، ودفعها بقوة إلى أتون الفوضى والاضطراب، ويمهد لسلخها من دينها وعروبتها والقضاء على وحدتها، وكل هذا كما قلنا من فعل الاستعمار الفرنسي، فهو الذي زرع بذرة القبائلية وتعهدها بالرعاية والسقي حتى أصبحت مطلبا تقوم عليه جمعيات وأحزاب، وتؤازره منظمات وهيآت وشخصيات يتواجد معظمهم فوق التراب الفرنسي ويحمل جنسيتين، الجنسية الجزائرية وهي الجنسية الأصلية والجنسية الفرنسية وهي الجنسية المكتسبة التي فضلوها على جنسيتهم الأصلية، ليحاولوا أن يجعلوا من وطنهم الأصلي قطعة تابعة لفرنسا تبعية سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وفرنسا تشجعهم على ذلك فتوفر لهم المأوى وتنشئ لهم المؤسسات كالأكاديمية البربرية والفضائية البربرية وجمعيات حقوق الإنسان .. الخ، وتقيم من نفسها مدعا ومحاميا ومدافعا لهم، وكان من مواقفها الأخيرة تصريح وزير خارجيتها "فيدرين" أمام الجمعية الفرنسية العامة "إن فرنسا لا يمكن أن تبقى صامتة إزاء ما يحدث في منطقة القبائل"، وتصريح رئيس وزرائها "جوسبان" "من أن الوضع في الجزائر يشكل انشغالا جديا للمسؤولين الفرنسيين .
إننا نعتبر هذا السلوك من فرنسا تدخلا سافرا في شؤوننا، وحربا حقيقية على مقومات شخصيتنا وعلى استقلالنا وسيادتنا، ومساسا خطيرا بوحدتنا، يدعونا جميعا لرفضه وتعريته والتصدي له.
لقد كبرت مشكلة الأمازيغية، وأصبحت اليوم من أمهات المشاكل خصوصا بعد استعداد السلطة لترسيمها في الدستور، فوجدت نفسي أمام خيارات ثلاث، إما السكوت عنها فيزداد أمرها ويستفحل الضرر الذي ستتسبب فيه، وإما مسايرة أهلها وتأييدهم ولو بألفاظ العموم كما جرى عليه الحال من قبل فيكون ذلك دعما صريحا لها وأهلها المنظرون لها والذائدون عنها لا يريدون خيرا للإسلام والعربية والتاريخ والثروة، بل يعملون على التمكين للفرنسية لغة وفكرا وحضارة ومصالح، وإما أن نعلن رفضنا لترسيمها وتعميمها ليس كرها لها ولقومها، فهي عندي آية من آيات الله "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم" جعلها الله لسان البربر كما جعل لغات أخرى ألسنة لأقوام آخرين وأصولها عربية، وأهلها ضربوا أروع الأمثلة في الشجاعة والكرم والتضحية، والوفاء لدينهم ولغتهم وتاريخهم ووطنهم، فهم لذلك مبجلون وجديرون بكل احترام وتقدير ونحن وإياهم في خندق واحد. إننا لما نرفض طرح الترسيم والتعميم إنما نفعل ذلك كرها في الاستعمار وحبا في الاستقلال، وكرها في التبعية وحبا في التحرر، وكرها في التجزئة والفرقة وحبا في الاجتماع والوحدة، وكرها في الخيانة للدين والتاريخ والشهداء وحبا في الوفاء لكل ذلك وسائر الفضائل التي غذاها العلماء بمدادهم وسقاها الشهداء بدمائهم، وإذا كان ولا بد من علاج لهذه المشكلة فليكن بعد أن تستقر الأوضاع في البلاد، وتقوم مؤسسات حكم بطريقة قانونية حرة ونزيهة، وتتوفر ضمانات حرية الممارسة السياسية للجميع، وترقى الأمازيغية بالحرف العربي وبالمحتوى والروح الإسلامية، فإن أبى علينا هؤلاء هذا الطرح وهو في نظرنا أعدل طرح وأنفعه للدين والوطن والوحدة، دعونا لاستفتاء شعبي حولها يتم بالإجابة عن سؤال صريح وواضح كأن يكون "هل أنت مع ترسيم الأمازيغية وتعميم تعليمها لكل الجزائريين ؟ أم لا ؟.
إن مثل هذا السؤال في حالة إصرارهم على مطلبهم هو الذي يعالج هذه المشكلة، أما غير ذلك من أنواع العلاج كالترسيم والتعميم قبل ترقيتها بالحرف العربي، وقبل استقرار الأحوال وعودة الحريات والأمن والشرعية فإنه يجعل منها سببا لظهور مشاكل أخرى تهدد دين الأمة ولغتها وأخلاقها ووحدتها في الصميم، ولعل من أبسطها أنها تفتح الباب أكثر أمام الفرنسية والتبشير، وأمام كل قوم ومنهم الشاوية وبني ميزاب والتوارق ليطالبوا جميعا بترسيم لغاتهم وتعميمها، وإذا حدث مثل هذا التنازع ضاعت قيمنا وأخلاقنا ووحدتنا وضعف شأننا ووهن أمرنا، وكنا لقمة سائغة يبتلعها العدو الرابض في شمال المتوسط متى شاء.
لقد كثرت المشاكل التي تواجه الأمة حتى غلبت عقول من يحكم البلاد فلم تستطع حلها، وركن أكثرية الناس للواقع واستسلموا له بما فيهم الكثير من قادة الفكر ورجال السياسة، وأصبح الكل يراهن على مصالح موهومة أو جزئية أو خاصة، ويقدمها على مصالح الدين والأمة، وهي في الأصل المصالح الضرورية والشاملة والكلية واليقينية، وهذا سلوك لا يقبل وتصرف لا ينفع لأن المتضرر بكل تلك المشاكل وغيرها مما تعرفون وتتألمون هي الأمة وهو الوطن، فكيف يقبل سكوت الحاكم أو العالم أو الغني أو أي مواطن على مسعى علمنة المجتمع الواضح في مشروع المنظومة التربوية كما رأينا، أو على مسعى تعديل قانون الأسرة بالاستجابة لمطالب اللائكيين، وهي مطالب تريد تغيير كل حكم ثابت بأدلة قطعية في الدلالة، أو على مسعى رهن الاقتصاد الوطني لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وبيع مؤسسات الأمة للشركات الأجنبية الكبرى، وهي مؤسسات وشركات تكرس الهيمنة الأمريكية والغربية الشاملة على العالم، أو مسعى تخلي الدولة عن وظيفتها الاجتماعية وشل قدرتها على حماية شعبها، أو على مسعى فرنسة الدولة والشعب كما هو قائم وهو مسعى متعارض مع الدستور وقوانين البلاد، أو مسعى ترسيم الأمازيغية وتجزئة الأمة والوطن كما يحاول بعض بني قومنا في ظرف موصوف باللااستقرار وعدم الشرعية تحقيقه، أو مسعى تقييد حرية الأئمة ورجال السياسة والإعلام المكرس في مشروع قانون العقوبات المطروح اليوم على المجلس الشعبي الوطني، وكيف يسكت على مطالبة فرنسا بالكف عن التدخل في شؤوننا، وكيف لا تعمل الدولة على تحريك دعوى قضائية ضد جرائم فرنسا ومجرميها في حق شعبنا أثناء الاستعمار والثورة، وكيف لا تطالبها بالاعتراف بتلك الجرائم وتعويض الذين تلظوا بآلامها واكتووا بنيرانها، وفي كل مرة يأتي من يقدم لهم الدليل على ذلك من جنيرالاتها، فبالأمس اعتراف من موريس بابون وغيره بأنهم ارتكبوا ما أسموه تجاوزات على حقوق المواطنين الجزائريين، واليوم اعتراف من أوساريس بتعذيبهم وقتلهم شنقا لبعض أهم رموز الثورة وقادتها.
إن حركة الإصلاح الوطني تتألم لهذا الوضع ولما آلت إليه البلاد المسقية بدماء الشهداء، وترى أنه لا بد أن يبرز من أبناء الأمة من يعمل على حل مشاكلها ويساعد في معالجة أزماتها، وتريد أن تكون من هؤلاء الأبناء، وهي لذلك ترفع انشغالات الأمة لمن يهمهم أمرها، ويريدون المساعدة على معالجة ما يجب معالجته وتحقيق ما يمكن تحقيقه، وتقدم هذه الانشغالات في صيغة تنديدات وتحذيرات ومطالب ودعوات فتقول:
وفي الختام لا ينسيني ما نعيشه في بلادنا من مشاكل يشيب لهولها الولدان ما يعانيه إخواننا في فلسطين، فعراقتنا في الإسلام والعروبة، ومعرفتنا بطبيعة الاستعمار وسوء أفعاله، تفرض علينا تجديد تضامننا مع قومنا في فلسطين، وتكرار تنديدنا بالاستعمار اليهودي الصهيوني وممارساته العدوانية، وإننا ندرك بأن الدعم الذي تحتاجه فلسطين ونحن مؤمنون به وساعون إليه لم يتحقق بعد، ونعلم بأن حقنا وحق قومنا هناك ينال بالتصميم والحزم والاتحاد والقوة "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" ومن القوة المال فليعمل العاملون لذلك وليوقفوا جهودهم على ذلك بكل ما يتيسر من طرق ووسائل.
ودمتم في خدمة الإسلام والجزائر، وكنتم عونا للحق العربي والإسلامي في فلسطين وفي كل بلد يعاني ظلم الاستعمار العالمي الجديد كالعراق وليبيا والشيشان وكشمير ومنطقة البلقان.
والسـلام عليكـم ورحمـة الله تعالـى وبركاتـه
رئــيس الحركــة
الشيخ عبد الله جاب الله