كلمة مدخلية للاجتماع التأسيســـي لهيـــأة التفكيــر والدراســـات
أيها الأخوة الأفاضل السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، الحمد لله الذي شرفنا بالإسلام الذي هو أصفى ما نزل به الوحي من لآلئ وجعلنا من أمة القرآن وهو أكرم ما أنزل الله من كتب يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا، وأصلي وأسلم على محمد خاتم الأنبياء وإمام المرسلين الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اسمحوا لي في البداية أن أعرب عن جزيل شكري وعظيم تقديري لرئيس مجلس الشورى وكل أعضاء المكتب الوطني على ما بذلوه من جهد للتحضير لهذا الاجتماع وعملوا على إنجاحه، كما أتوجه باسمي وباسم هؤلاء الأخوة بالتحية الطيبة وبالشكر الجزيل لهذا الجمع الكريم من مثقفي وإطارات هذه الأمة المعطاءة، على ما تحملوه من مشاق السفر والتنقل إلى هذا المكان، ليكونوا أعضاء مؤسسين لهيأة نريد لها أن تكون العقل المفكر والضمير الحي الذي يساهم في السهر على التوجيه والترشيد والنصح لمسارات ومواقف حركة، تأسست لتحاول الاضطلاع بواجب إعادة بناء وهيكلة التيار الإسلامي والوطني النزيه وتجميع طاقاته الخيرة، بغرض التعاون على إحياء مجد الإسلام والعربية ورفع العدوان الواقع على حقوق الأمة وذلك على خط سياسي يقوم على إخضاع المصالح للمبادئ ويعتبر السياسة مصالح يحميها ويحكمها الحق.
إن مثل الواجب في ذاته واجب ثقيل، ويزداد اليوم ثقله أكثر، لأننا نعيش في عصر استبد فيه البشر بالبشر، وتحكمت القوة المادية في القوة المعنوية، وسيطرت القوانين الوضعية على الحياة بمختلف أنواعها ومجالاتها، ونعيش في بلد تحكم فيه منطق الرأي الواحد والقرار الواحد منذ الاستقلال وحتى بعد التحول إلى الديمقراطية التعددية، فما جاء في دستور 96 وقانون الأحزاب وما كرسته الانتخابات سنة 97 و99 يؤكد هشاشة القناعة باحترام قواعد الديمقراطية التعددية، والقبول بالنزول عند مقتضيات التحول الديمقراطي، وما عشناه ولا نزال من تغول التيار التغريبي الاستئصالي الذي أصبح مسيطرا على كل موازين القوة، والذي استغل الأزمة القائمة في البلاد منذ سنة 1991 في التمكين لرجاله ومشاريعه من أجل علمنة الدولة الجزائرية، تمهيدا لمحاولة علمنة المجتمع نفسه، أو التأسيس لجعل السلطة في عزلة دائمة عن المجتمع، وفي صراع مستمر معه ومع قواه الحية العاملة على رفع العدوان الواقع على دينه ولغته وتاريخه وحقوقه المختلفة. كما نعيش محاولة هذا التيار السرطاني امتلاك ميزان القوة الشعبية عبر أصعدة مختلفة منها:
إن الجزائر في خطر حقيقي من هذا التيار الأخطبوطي السرطان، وأنه لزاما على أبناء هذه الأمة المخلصين في أعمالهم، الصادقين في نضالهم، الغيورين على أمتهم، الذين يرون خير الأمة ينطلق من احترام دينها ولغتها وتاريخها وثروتها، وإخضاع ما يتطلعون إلى تحقيقه من مصالح في شتى مناحي الإصلاح وجميع ميادين الحياة إلى تلك المنطلقات والمقومات وما يتفرع عنها من مبادئ.
إنه لزاما عليهم أن يبذلوا جهدهم للتصدي لتلك المؤامرات، ويعملوا على تصحيح هذا الواقع المرّ بالدعوة للمصالحة الوطنية الشاملة لتوفير الأمن وتحقيق العدل والكف عن الظلم وإعادة الاعتبار للشعب كمصدر للسلطة وكصاحب الحق في الثروة والمسؤولية، وللحوار الوطني المسؤول الذي يضبط العمل السياسي التعددي ويرقيه حتى يؤدي غرضه في بناء مجتمع عصري متين محافظ على شخصيته العربية الإسلامية، وفي إقامة دولة جامعة بين الأصالة والمعاصرة ومتوفرة على نظام ديمقراطي تعددي تتوفر فيه ضمانات الممارسة السياسية للجميع ويتأطر بمبادئ الدين وقيمه وأحكامه.
ولا بد أن يواجه الخيرون من أبناء الأمة الواقع المرّ الذي عليه دينهم ولغتهم وثروتهم ومصالح أمتهم ووطنهم، وما يدبر لهم ولأمتهم ودولتهم من مكائد ومؤامرات، لا بد أن يواجهوا كل ذلك بما يكافئه، يواجهونه بالمجهودات الفردية بيانا ونصحا وتوجيها وتعليما وتربية ... لتصحيح التصورات الخاطئة والسلوكات الفاسدة والتصرفات الظالمة، ويواجهونه بالمجهودات الجماعية إعدادا وتخطيطا وتنفيذا لإزالة كل أشكال الظلم الواقع من النظام والحكومات المتعاقبة.
ولا شك أن مثل هذا العمل لا يتم بالفوضى والارتجال، ولكن بالتخطيط وحسن التدبير وسلامة التنفيذ لأن الانحراف الواضح في مسيرة الدولة والتيار العلماني -الاستئصالي- والعدوان الواقع منهم على مقومات شخصية الأمة وعلى حقوقها ومصالحها، لا يعالج إلا بـ :
إن السعي في تحقيق كل ذلك يتطلب تعاون كل الخيرين من أبناء الأمة على تكوين تيار سياسي شعبي قوي وواع، يؤطره تنظيم سياسي مرن وواقعي وتقوده قيادات سياسية وفكرية راشدة وصادقة ومتجردة، ومن أجل هذا وذاك جاءت فكرة تأسيس هذه الهيأة الوطنية، وتم اختيار هذه النخبة الكريمة من إطارات هذه الأمة ومثقفيها، وقد حرصنا على اختيار من توفرت فيه الكفاءة في تخصص من الاختصاصات، وكان مقتنعا بخطنا السياسي العام، ولم يكن مهيكلا في أي حزب من الأحزاب الأخرى، وتوسمنا فيه الاستقامة ونظافة السلوك، دون محاباة لقرابة أو صداقة أو جهة أو أي سبب لا يتصل بالمواصفات المذكورة أعلاه لقوله تعالى "إن خير من استأجرت القوي الأمين" ولقوله صلى الله عليه وسلم "من ولىّ رجلا وهو يرى أن غيره خيرا منه فقد خان الله ورسوله" وفي رواية "والمؤمنين".
وإني أتطلع إلى أن يجتهد كل واحد منا في حركة الإصلاح الوطني أو في هذه الهيأة المباركـة في:
إنني أدرك -كما تدركون- أن أساس سياسة التشريع في الإسلام هي المصلحة المعتبرة للأمة والدولة والأفراد، وأن مجالات التشريع السياسي شاملة لجميع تلك المصالح، ومن ثم كان الطابع العام الذي يغلب على عملنا في تدبير شؤون حركتنا اليوم -ودولتنا غدا- إن شاء الله، هو الموازنة بين المصالح والمفاسد لتحقيق أكمل المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين، أو لتحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ...
كما أدرك وتدركون أنه من الصعب أن تتمحص المصالح أو المفاسد، فقد تلتقي المصالح والمفاسد في مناط واحد فينظر فريق إلى المصالح ويرجح العمل بها دون التفات لما قد يترتب على ذلك من مفاسد قد تكون أكبر من المصالح، وينظر آخرون إلى المفاسد فيرجحون ترك العمل بها دون نظر إلى ما قد يفوت الأمة من مصالح قد تكون أكبر من المفاسد، وقد يقود ذلك إلى نوع من الاختلاف المفضي إلى التنازع، وهو ما يجب علينا تحاشيه بالنظر إليه على أنه تنوع في الاجتهاد وثراء في الفكر والنظر.
إن من حق الأمة علينا أن نعرف لها حقها وقدرها فنقوم بواجبنا نحوها في النصيحة والتوجيه والقيادة والتدبير، وأن نجعل أعمالنا وسياساتنا ومواقفنا دائما في خدمة الدين واللغة والتاريخ، والذود عن الحريات والحقوق والانتصار للمظلوم من الظالم والإنتصاف من القوي للضعيف، وأن لا نخون ولا نغدر ولا نبغض ولا نشهد شهادة الزور، ولا نؤْثر ما تميل إليه العواطف على ما تراه العقول، ومن حقنا على الأمة إن نحن قمنا بكل ذلك أن تعرف لنا مكانتنا ودورنا في إصلاح أحوالها والذود عن مقومات شخصيتها وحقوقها، فتثق فينا وتلتفت حول برنامجنا ورجالنا، وتعطينا من نفسها الطاعة والانقياد والاحترام والتقدير، هذه هي العلاقة بين نخب الأمة من العلماء والمفكرين والساسة وبين الأمة، علاقة متبادلة ومتكاملة يقوم فيها كل طرف بما عليه نحو الآخر فينتشر الوفاق ويتم التعاون فيعم الخير الجميع.
أيـهـــا الأخـــوة الأفاضــل هذه جملة من الأفكار والتصورات حول طبيعة الواقع المرّ الذي نعيشه، وطبيعة الخط السياسي الذي نريد أن نسلكه وطبيعة الواجب الذي يتعين علينا أن نقوم به، وطبيعة الهيأة التي نريد أن تكون من أهم أدواتنا في القيام بواجبنا في المساعدة على ترشيد سيرنا وتوجيهه حتى يستوي على سوقه ويؤدي ما تنتظره الأمة منه وتأمله فيه، وأنتم أيها الأخوة الأفاضل من طليعة الأمة وخيرة مثقفيها الذين وثقنا فيهم واخترناهم ليساهموا في توجيه آراءنا وتسديد خطانا وترشيد سيرنا ويعينوا على تفجير طاقاتنا وتوجيهها في خدمة الإسلام والجزائر، فأعانكم الله وسدد خطاكم وتقبل أعمالكم وجعلني وإياكم من عباده الصالحين.
والسـلام عليكـم ورحمـة الله تعالـى وبركاتـه
رئــيس الحركــة
الشيخ عبد الله جاب الله