عودة للكلمات والرسائل

بســـــم الله الرحمن الرحيـــــم

الجزائر في: 13 ذو القعدة 1421 هـ
الموافق لـ 07 فيفري 2001 م

كلمة مدخلية للاجتماع التأسيســـي لهيـــأة التفكيــر والدراســـات

أيها الأخوة الأفاضل السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، الحمد لله الذي شرفنا بالإسلام الذي هو أصفى ما نزل به الوحي من لآلئ وجعلنا من أمة القرآن وهو أكرم ما أنزل الله من كتب يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا، وأصلي وأسلم على محمد خاتم الأنبياء وإمام المرسلين الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

اسمحوا لي في البداية أن أعرب عن جزيل شكري وعظيم تقديري لرئيس مجلس الشورى وكل أعضاء المكتب الوطني على ما بذلوه من جهد للتحضير لهذا الاجتماع وعملوا على إنجاحه، كما أتوجه باسمي وباسم هؤلاء الأخوة بالتحية الطيبة وبالشكر الجزيل لهذا الجمع الكريم من مثقفي وإطارات هذه الأمة المعطاءة، على ما تحملوه من مشاق السفر والتنقل إلى هذا المكان، ليكونوا أعضاء مؤسسين لهيأة نريد لها أن تكون العقل المفكر والضمير الحي الذي يساهم في السهر على التوجيه والترشيد والنصح لمسارات ومواقف حركة، تأسست لتحاول الاضطلاع بواجب إعادة بناء وهيكلة التيار الإسلامي والوطني النزيه وتجميع طاقاته الخيرة، بغرض التعاون على إحياء مجد الإسلام والعربية ورفع العدوان الواقع على حقوق الأمة وذلك على خط سياسي يقوم على إخضاع المصالح للمبادئ ويعتبر السياسة مصالح يحميها ويحكمها الحق.

أيـهـــا الأخـــوة الأفاضــل

إن مثل الواجب في ذاته واجب ثقيل، ويزداد اليوم ثقله أكثر، لأننا نعيش في عصر استبد فيه البشر بالبشر، وتحكمت القوة المادية في القوة المعنوية، وسيطرت القوانين الوضعية على الحياة بمختلف أنواعها ومجالاتها، ونعيش في بلد تحكم فيه منطق الرأي الواحد والقرار الواحد منذ الاستقلال وحتى بعد التحول إلى الديمقراطية التعددية، فما جاء في دستور 96 وقانون الأحزاب وما كرسته الانتخابات سنة 97 و99 يؤكد هشاشة القناعة باحترام قواعد الديمقراطية التعددية، والقبول بالنزول عند مقتضيات التحول الديمقراطي، وما عشناه ولا نزال من تغول التيار التغريبي الاستئصالي الذي أصبح مسيطرا على كل موازين القوة، والذي استغل الأزمة القائمة في البلاد منذ سنة 1991 في التمكين لرجاله ومشاريعه من أجل علمنة الدولة الجزائرية، تمهيدا لمحاولة علمنة المجتمع نفسه، أو التأسيس لجعل السلطة في عزلة دائمة عن المجتمع، وفي صراع مستمر معه ومع قواه الحية العاملة على رفع العدوان الواقع على دينه ولغته وتاريخه وحقوقه المختلفة. كما نعيش محاولة هذا التيار السرطاني امتلاك ميزان القوة الشعبية عبر أصعدة مختلفة منها:

  1. المطالبة باعتراف الجزائر للأقدام السوداء بالجنسية، وفي إصدار فرنسا لمرسوم -ماي 97- يمنح الجزائريين المولودين بين 54- 1962 الجنسية الفرنسية، والسماح لفرنسا بفتح ما تشاء من مراكز ثقافية فرنسية وثانويات تدرس البرنامج الفرنسي مع إضافة مادة التاريخ والجغرافية.
  2. تشجيع ما يسمى بالسلفية العلمية في المساجد، وفتح الباب أمام رجالها ليستلموا الإمامة والتدريس، لأن دعوتهم تقوم على الفتوى بوجوب الطاعة والنصرة للحاكم وعدم جواز تغييره ولا العمل على إسقاطه ولو بالطرق الديمقراطية، والفتوى ببدعية العمل السياسي وضلال أصحابه وسائر الذين لا يوافقونهم على طريقة عملهم.
  3. تأسيس لجان وطنية لإصلاح المنظومات الأساسية في بناء المواطن والدولة، ومنها لجنة إصلاح المنظومة التربوية التي جعلوا معظم أعضائها من التيار التغريبي ليحملوا المنظومة السابقة مسؤولية تكوين جيل من الإرهابيين، ويغيروا المواد ذات الصلة المباشرة بالإسلام والعربية ويزيدوا من حظوظ اللغة الفرنسية ابتداء من المرحلة الابتدائية …
  4. الإقدام على جملة من التصرفات ذات الطابع التطبيعي كمصافحة باراك، ومراسلة المعارض المغربي ابراهام سرفاتي، ودعوة أنريكو ماسياس ومعه 200 عائلة يهودية لزيارة الجزائر والإقامة عند عائلات جزائرية في قسنطينة -عاصمة النهضة الجزائرية الحديثة- وذهاب وفد من الصحافيين لزيارة الكيان الصهيوني وما رافقه من ضجة إعلامية بينت أن لليهود من يدافع عنهم في بلد الشهداء والعلماء والمجاهدين، واللقاءات المتكررة لرئيس الدولة مع اليهود في العديد من العواصم الغربية ومنها باريس وروما ومدريد وواشنطن ...، والمشاركة في مؤتمر الفرانكفونية بياواندي عاصمة الكاميرون في جانفي 2001، وما إلى ذلك من سياسات وأعمال ومواقف تبعد الجزائر عن دائرة العروبة والإسلام وتدفعها للتخلي عن دورها الريادي في نصرة فلسطين ومقاومة الصهيونية والدفاع عن هوية الأمة وحقوقها المشروعة في وجه الصهيونية والاستعمار.
إن كل هذا التخطيط الماكر يهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف ذات الخطر الكبير على هوية الأمة واستقلال قرارها ومنها محاولة رمي الجزائر في أحضان العولمة، والعولمة كلها خطر وأخطرها ما كانت بالمنظور الفرنسي لأنها تعطي للبعد الثقافي والاجتماعي الأهمية الكبرى وتجعل منه الهدف الأبرز الذي تريد تحقيقه في الجزائر انتقاما من الشهداء وعقابا للمجاهدين على ما قاموا به من جهد في التحرير ألحق بفرنسا عار الهزيمة وذل الانكسار، كما يهدف إلى إضعاف الوعاء الانتخابي الإسلامي وتقوية الوعاء الانتخابي التغريبي - العلماني-، أي يهدف إلى تمكين هذا التيار من امتلاك ميزان القوة الشعبية، وبذلك يضمنوا لأنفسهم البقاء في الحكم ولمشروعهم النجاح في تغريب وعلمنة الجزائر.

إن الجزائر في خطر حقيقي من هذا التيار الأخطبوطي السرطان، وأنه لزاما على أبناء هذه الأمة المخلصين في أعمالهم، الصادقين في نضالهم، الغيورين على أمتهم، الذين يرون خير الأمة ينطلق من احترام دينها ولغتها وتاريخها وثروتها، وإخضاع ما يتطلعون إلى تحقيقه من مصالح في شتى مناحي الإصلاح وجميع ميادين الحياة إلى تلك المنطلقات والمقومات وما يتفرع عنها من مبادئ.

إنه لزاما عليهم أن يبذلوا جهدهم للتصدي لتلك المؤامرات، ويعملوا على تصحيح هذا الواقع المرّ بالدعوة للمصالحة الوطنية الشاملة لتوفير الأمن وتحقيق العدل والكف عن الظلم وإعادة الاعتبار للشعب كمصدر للسلطة وكصاحب الحق في الثروة والمسؤولية، وللحوار الوطني المسؤول الذي يضبط العمل السياسي التعددي ويرقيه حتى يؤدي غرضه في بناء مجتمع عصري متين محافظ على شخصيته العربية الإسلامية، وفي إقامة دولة جامعة بين الأصالة والمعاصرة ومتوفرة على نظام ديمقراطي تعددي تتوفر فيه ضمانات الممارسة السياسية للجميع ويتأطر بمبادئ الدين وقيمه وأحكامه.

ولا بد أن يواجه الخيرون من أبناء الأمة الواقع المرّ الذي عليه دينهم ولغتهم وثروتهم ومصالح أمتهم ووطنهم، وما يدبر لهم ولأمتهم ودولتهم من مكائد ومؤامرات، لا بد أن يواجهوا كل ذلك بما يكافئه، يواجهونه بالمجهودات الفردية بيانا ونصحا وتوجيها وتعليما وتربية ... لتصحيح التصورات الخاطئة والسلوكات الفاسدة والتصرفات الظالمة، ويواجهونه بالمجهودات الجماعية إعدادا وتخطيطا وتنفيذا لإزالة كل أشكال الظلم الواقع من النظام والحكومات المتعاقبة.

ولا شك أن مثل هذا العمل لا يتم بالفوضى والارتجال، ولكن بالتخطيط وحسن التدبير وسلامة التنفيذ لأن الانحراف الواضح في مسيرة الدولة والتيار العلماني -الاستئصالي- والعدوان الواقع منهم على مقومات شخصية الأمة وعلى حقوقها ومصالحها، لا يعالج إلا بـ :

  1. تعميق الشعور لدى الأمة بهذا الانحراف والعدوان.
  2. تقوية إرادة الأمة لتغيير هذا الانحراف وإزالة هذا العدوان وتمتين قناعتها بأنها صاحبة السلطة الحقيقية وأنه من واجبها العمل على استرجاع سلطتها.
  3. تعريفها بالطريق الذي يجب أن تسلكه لتحقيق التغيير أداء للواجب وتحصيلا للحق، وبالرجال الأقوياء الأمناء الصادقين العادلين ذوي الشجاعة والكرم الذين يجب أن تلتف حولهم ليسيروا بها نحو النصر والتمكين.
  4. وجود الأطر التنظيمية التي تقوم على تأطير الخيرين من أبناء الأمة وتوظيفهم في خدمة أهدافها وتحقيق آمالها في الأصالة والعدالة والتحرر والتنمية.
  5. وضوح الأهداف الكبرى المراد تحقيقها والتي يتم تجميع الناس حولها وحشد الطاقات لتحقيقها، والتي على ضوئها يتم رسم السياسات واتخاذ المواقف.
  6. وجود السياسات الراشدة والخطط الحكيمة التي تكون واضحة الوسائل والأهداف والتي تقوى على كسب ثقة الشعب وزرع اليقين لديه بأنه على الحق وأنه سينتصر بإذن الله تعالى.
إن معالجة الانحراف في مسيرة السلطة وسلوكات قوى التغريب والعلمنة ومَنْ جعل السياسة عنده مصالح تحكمها وتفرضها وتحميها القوة، ووضع حد لسياسات الاستئصال والاستبداد والإقصاء والتهميش، والنجاح في تحقيق أهداف الحركة في تحقيق المصالحة الوطنية وإقامة دولة جامعة بين الأصالة والمعاصرة، تعلي من مبادئ الفصل بين السلطات وسيادة القانون الشرعي وحياد الإدارة واستقلالية القضاء، وتحترم الحريات الفردية والجماعية، وتلتزم بنتائج الانتخابات القانونية، ولا تتدخل في حرية الإعلام والصحافة، وتنتهج سياسة التعايش والمشاركة مع المتنافسين السياسيين والخصوم الفكريين، وتضمن العدالة في نص القانون وشخصية القاضي والإداري وكل مسؤول في أجهزة الحكم المختلفة، وتقوي مؤسسات السلطة التشريعية في الرقابة والمساءلة والمحاسبة، وتشجع القضاء على أداء دوره في حماية حقوق وحريات المواطنين من تعسفات السلطة التنفيذية، وتحدد صلاحيات أجهزة السلطة التنفيذية وتمنع التداخل والازدواجية فيها، وتخضع سلطات الدولة للقانون، وتفرض انضباطها به واحتكامها إليه وتبطل كل تصرف أو سلوك يصدر عن السلطات العامة ويكون مخالفا للدستور والقانون، وتقوي أجهزة الرقابة على أعمال السلطة، وتعلي من قيمة العلم والعلماء، وتقيم العدل في توزيع الثروات وإسناد المسؤوليات وفي الرعاية الاجتماعية وفي الاهتمام بشؤون المرأة والشباب والفئات العاجزة والمستضعفة في المجتمع ...

إن السعي في تحقيق كل ذلك يتطلب تعاون كل الخيرين من أبناء الأمة على تكوين تيار سياسي شعبي قوي وواع، يؤطره تنظيم سياسي مرن وواقعي وتقوده قيادات سياسية وفكرية راشدة وصادقة ومتجردة، ومن أجل هذا وذاك جاءت فكرة تأسيس هذه الهيأة الوطنية، وتم اختيار هذه النخبة الكريمة من إطارات هذه الأمة ومثقفيها، وقد حرصنا على اختيار من توفرت فيه الكفاءة في تخصص من الاختصاصات، وكان مقتنعا بخطنا السياسي العام، ولم يكن مهيكلا في أي حزب من الأحزاب الأخرى، وتوسمنا فيه الاستقامة ونظافة السلوك، دون محاباة لقرابة أو صداقة أو جهة أو أي سبب لا يتصل بالمواصفات المذكورة أعلاه لقوله تعالى "إن خير من استأجرت القوي الأمين" ولقوله صلى الله عليه وسلم "من ولىّ رجلا وهو يرى أن غيره خيرا منه فقد خان الله ورسوله" وفي رواية "والمؤمنين".

وإني أتطلع إلى أن يجتهد كل واحد منا في حركة الإصلاح الوطني أو في هذه الهيأة المباركـة في:

  1. أن يكون متجردا في عمله لله منتصرا للمبادئ، مدافعا عن حقوق الشعب وأهداف الحركة، مرتفعا عن التفكير في استغلال منصبه في الحركة أو في أية هيأة من هيآتها لمنافع مادية تعود على شخصه.
  2. ألا يجمع بين الانتماء لهذه الهيأة والانتماء لأي حزب من الأحزاب الأخرى.
  3. ألا يجعل لعلاقات الصداقة الشخصية تأثيرا سلبيا على أعمال هذه الهيأة ومهامها وأهدافها.
  4. أن يجتهد في الابتعاد عن كل ما من شأنه الإضرار بمصلحة الأمة أو الحركة.
هذا ووظائف هذه الهيأة واسعة وهي تتمحور حول مهام ثلاثة:
  1. السهر على ترقية وتطوير برنامج الحركة بما يجعله مواكبا لكل ما يستجد في حياة الدولة والمجتمع من معطيات ليظل دائما -في نظرنا- البرنامج الأقوى والأشمل والأنفع والأقدر على رعاية المصلحة العامة وحفظ حقوق وحريات المواطنين.
  2. السهر على تقديم الرأي والمشورة لمؤسسات الحركة في كل سياسات ومواقف السلطة والأحزاب التي تعتمد عليها بما يساعد على اتخاذ مواقف وقرارات راشدة ومؤثرة في المجتمع والدولة.
  3. السهر على تقديم الرأي والمشورة والدراسات حول سياسات الدولة والعلاقات الخارجية وتوجهات العولمة ومخاطرها المختلفة على الصعيد الاقتصادي والثقافي والاجتماعي ...، لا سيما وأن للجزائر بحكم موقعها وإمكاناتها وتاريخها دور متميز على المستوى الإقليمي والعربي والإفريقي والدولي، وأنها لذلك أكثر استهدافا من غيرها من الدول، وأن التآمر عليها فاق التآمر على غيرها.
ولما كنا حزبا يتطلع إلى الحكم عن طريق الانتخابات ويرى نفسه أقدر من غيره على رعاية المصلحة العامة وتحقيق تطلعات الأمة في بناء دولة قوية وعادلة قادرة على حماية مقومات الشخصية الوطنية في الدين واللغة والتاريخ، وعلى تحقيق المصالحة الوطنية وتوفير الأمن والاستقرار وإقامة شرعية دستورية وديمقراطية حقة وتحقيق تنمية اقتصادية تلبي الحاجات المتنوعة والمتجددة للأمة والدولة وحماية البلد من أي تهديد أو عدوان خارجي، لما كنا كذلك أو نحاول أن نكون كذلك، وجب علينا في تصوري:
  1. أن نعتبر حق الشورى حق سياسي ثابت حتى يتمكن كل واحد من المشاركة العملية الفعالة في إنضاج الرأي والتحضير الجيد للملفات المختلفة، حتى يكون القرار المتخذ من المؤسسات المختصة قرارا مبنيا على الدراسة والتمحيص للملفات المقدمة من جمع من كفاءات الحركة ومحبيها، وبذلك يمكن للحركة (ومن ورائها الأمة) أن تجني ثمرة جهودهم فيترشد سيرها وتتأكد أهليتها لنيل ثقة الأمة والتفافها حولها.
  2. أن نربط بين السياسة والأخلاق لنحيي قيمة الأخلاق في أنفسنا وداخل الحركة والمجتمع من حولنا، ولنستشعر قيمة المسؤولية التي نتحملها حتى ولو كانت مسؤولية أدبية، فبذلك نمتلك حيوية الضمير وصفاء القلب وحكمة العقل، وننجو من مخاطر سيطرة الأهواء والشهوات والتكالب على المناصب والمسؤوليات.

أيـهـــا الأخـــوة الأفاضــل

إنني أدرك -كما تدركون- أن أساس سياسة التشريع في الإسلام هي المصلحة المعتبرة للأمة والدولة والأفراد، وأن مجالات التشريع السياسي شاملة لجميع تلك المصالح، ومن ثم كان الطابع العام الذي يغلب على عملنا في تدبير شؤون حركتنا اليوم -ودولتنا غدا- إن شاء الله، هو الموازنة بين المصالح والمفاسد لتحقيق أكمل المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين، أو لتحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ...

كما أدرك وتدركون أنه من الصعب أن تتمحص المصالح أو المفاسد، فقد تلتقي المصالح والمفاسد في مناط واحد فينظر فريق إلى المصالح ويرجح العمل بها دون التفات لما قد يترتب على ذلك من مفاسد قد تكون أكبر من المصالح، وينظر آخرون إلى المفاسد فيرجحون ترك العمل بها دون نظر إلى ما قد يفوت الأمة من مصالح قد تكون أكبر من المفاسد، وقد يقود ذلك إلى نوع من الاختلاف المفضي إلى التنازع، وهو ما يجب علينا تحاشيه بالنظر إليه على أنه تنوع في الاجتهاد وثراء في الفكر والنظر.

إن من حق الأمة علينا أن نعرف لها حقها وقدرها فنقوم بواجبنا نحوها في النصيحة والتوجيه والقيادة والتدبير، وأن نجعل أعمالنا وسياساتنا ومواقفنا دائما في خدمة الدين واللغة والتاريخ، والذود عن الحريات والحقوق والانتصار للمظلوم من الظالم والإنتصاف من القوي للضعيف، وأن لا نخون ولا نغدر ولا نبغض ولا نشهد شهادة الزور، ولا نؤْثر ما تميل إليه العواطف على ما تراه العقول، ومن حقنا على الأمة إن نحن قمنا بكل ذلك أن تعرف لنا مكانتنا ودورنا في إصلاح أحوالها والذود عن مقومات شخصيتها وحقوقها، فتثق فينا وتلتفت حول برنامجنا ورجالنا، وتعطينا من نفسها الطاعة والانقياد والاحترام والتقدير، هذه هي العلاقة بين نخب الأمة من العلماء والمفكرين والساسة وبين الأمة، علاقة متبادلة ومتكاملة يقوم فيها كل طرف بما عليه نحو الآخر فينتشر الوفاق ويتم التعاون فيعم الخير الجميع.

أيـهـــا الأخـــوة الأفاضــل هذه جملة من الأفكار والتصورات حول طبيعة الواقع المرّ الذي نعيشه، وطبيعة الخط السياسي الذي نريد أن نسلكه وطبيعة الواجب الذي يتعين علينا أن نقوم به، وطبيعة الهيأة التي نريد أن تكون من أهم أدواتنا في القيام بواجبنا في المساعدة على ترشيد سيرنا وتوجيهه حتى يستوي على سوقه ويؤدي ما تنتظره الأمة منه وتأمله فيه، وأنتم أيها الأخوة الأفاضل من طليعة الأمة وخيرة مثقفيها الذين وثقنا فيهم واخترناهم ليساهموا في توجيه آراءنا وتسديد خطانا وترشيد سيرنا ويعينوا على تفجير طاقاتنا وتوجيهها في خدمة الإسلام والجزائر، فأعانكم الله وسدد خطاكم وتقبل أعمالكم وجعلني وإياكم من عباده الصالحين.

والسـلام عليكـم ورحمـة الله تعالـى وبركاتـه

رئــيس الحركــة

الشيخ عبد الله جاب الله