بسم الله الرحمن الرحيم

الجزائر فــي: 23 شعبان1427هـ

الموافق لـ :16سبتمبر 2006م

 

حركة الإصلاح الوطني

 

EL-ISLAH
الرئيس

رئيس الحركة

الشيخ عبد الله جاب الله

     

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛

  إن من مظاهر سخرية الزمن وانقلاب المفاهيم والموازين أن يصير الباطل حقا والظلم عدلا والجهل علما. والانحراف استقامة، والضلال هدى.

    وأشد منه غرابة تبني بعض كبار الساسة ورجال الدين والمعرفة لذلك، ولعله من هذا القبيل تصريحات بابا الفاتيكان "بينيديكت" حول الإسلام ورسوله الذي رماهما بكل نقيصة فشهد بذلك على نفسه بالجهل وشدة الحقد والبغضاء، وكان نموذجا للإنسان الذي انقلبت عنده المفاهيم فصار يهرف بأشياء أضحكت عليه كل عارف بالإسلام، مطلع على شمائل الرسول وسيرته الكريمة، ونحن نسأل هذا " البابا" عن الدين الذي يتمتع بعقائد صافية وروحانية قوية، وحقائق واضحة وأحكام سمحة وآداب قويمة وحكم بالغة ونظم في الحكم عادلة وراشدة.

    أهو الإسلام الذي تقوم عقيدته على قاعدة التوحيد وتنادي بالإله الواحد الذي لا شريك له في حكمه وهو وحده الذي يعبد ووحده الذي يقصد *إياك نعبد وإياك نستعين *، صاحب الخلق والأمر في الكون كله * ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين*.

·        أم المسيحية التي تقوم عقيدتها على قاعدة التثليث والوسائط البشرية.

    - أهو الإسلام الذي تقوم أحكامه القانونية على قاعدة الحق والعدل في رعاية المصالح والحقوق الداخلية والخارجية الخاصة والعامة، وأن الشريعة هي مصدر جميع الالتزامات وان سلطة الدولة محكومة بالتشريع الذي أقامها ومقيدة بمبادئه ومقاصده وأنه لا يوجد بعد الرسول   شخص معصوم أو مقدس فكل البشر راد ومردود عليه؟.

·       أم المسيحية التي تقول دع لقيصر ما لقيصر ولله ما لله وتقوم أحكام نظم حكم أممها على قاعدة القوة والمصلحة في رعاية المصالح، وهي قاعدة موغلة في الظلم والاستغلال وتجعل من شخص البابا ورجال الدين وسطاء ومعصومين.

    -   أهو الإسلام الذي يربط بين العلم والدين ويجعل الأول خادما للثاني، والثاني دافعا ومشجعا للأول فيثيب على طلب العلم ما لا يثيب على سواه، وينزل العلماء منزلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام " العلماء ورثة الأنبياء "،*شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط*.

أم المسيحية التي حاربت العلم وحرقت العلماء وخاضت حروبا طاحنة في القرون الوسطى في محاولة الإبقاء على أممها غارقة في ظلمات الجهل ليبقى لها السلطان القاهر والاستغلال الفادح لخيرات تلك الشعوب؟.

    - أهو الإسلام الذي يخاطب العقل ويثني على العقلاء ويحترم الآراء ويشجع على الاجتهاد والنظر ويجعل ذلك عبادة من العبادات " للمجتهد إذا أصاب أجران وإذا أخطأ أجر واحد" أم المسيحية التي ألغت العقل وحاربت الاجتهاد وقالت للإنسان اتبعني وأنت أعمى؟

    - أهو الإسلام الذي أعلى من الخلق وربطه بالعقيدة وجعله أساسا من أسس التشريع في ميادين الحياة المختلفة ولم يجعل الوسيلة مبررا لمنفعة فرد أو أسرة أو جماعة أو دولة. أم المسيحية التي ضحكت من الأخلاق وشجعت الغرائز، وأعلت من منطق الوسيلة تبرر الغاية وجعلتها أساس سياساتها ومواقفها وعلاقاتها؟.

أهو الإسلام الذي أسس قواعد التسامح الديني وأعلى من قدره ومكانته فنص على أن الأديان السماوية كلها من الله سبحانه *شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين  ولا تتفرقوا فيه* ونص على أن الأنبياء إخوة وأوجب الإيمان بهم جميعا *آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن  بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله*.

وأنه لا إكراه في العقيدة *لا إكراه في الدين *، وأن أماكن العبادات للديانات الإلهية محترمة ويجب الدفاع عنها وحمايتها كحماية مساجد المسلمين *ولو لا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا*، ونص على وجوب احترام اختلافات الناس في أديانهم ووجوب تعاونهم على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان *وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان*.

وإن التفاضل بين الناس يكون بالتقوى والعمل الصالح، * الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله *.

وأن الاختلاف في الأديان لا يحول دون البر والصلة والضيافة *اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم...*

وأن المجادلة يجب أن تكون بالحسنى والحجة والإقناع *ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن*، وأن العدوان في حالة وجوده يجب أن يكون لحماية العقيدة ودرء الفتنة *وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله*.

وأنه لا يجوز بعد الانتصار الانتقام من المعتدين بإجبارهم على ترك دينهم أو اضطهادهم في عقائدهم ويكفيهم الاعتراف بسلطات الدولة والإخلاص لها ليكون لهم مالنا وعليهم ما علينا.

أم المسيحية التي نصبت محاكم التفتيش لإرغام المسلمين في الأندلس على ترك دينهم وشنت حروبا صليبية خلال قرنين كاملين من الزمن ولم تتوقف حربها على الديانات الأخرى إلا بعد ما انحسر نفوذها السياسي وتقلص سلطان حكمها الزمني لأممها.

أهو الإسلام الذي جعل أحكامه المختلفة إنسانية النزعة والهدف عالمية الأفق والرسالة ودعا الناس جميعا للتعارف وإقامة حياتهم على أساس الحق والعدل والخير والكرامة*يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم*.

 أم المسيحية التي تقول تعاليمها نحن أبناء الله وأحباؤه، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وأن كل الناس يجب أن يكونوا خدما أو عبيدا، وأن خيراتهم يجب أن تكون ملكا مشاعا لهم؟.

وعلى الجملة أهو الإسلام الذي تلاقت عقيدته الصحيحة مع الحقائق العلمية الصريحة فأنارت للناس حياتهم وحمت لهم أديانهم وحقوقهم، وممتلكاتهم وأقامت العلاقة بينهم على قواعد الحق والعدل والخير والكرامة. أم المسيحية التي تنافت عقيدتها مع حقائق العلم والمنطق فأحالت حياة الناس إلى جحيم، وعرضت حقوقهم وحرياتهم إلى الاستغلال والعدوان. وما عرفت أوربا نوعا من التقدم والرفاهية والحرية إلا بعد ما تحررت من حكم المسيحية؟.

كما نسأل البابا عن حال الأمم المسيحية قبل قرون من الزمن كيف كانت حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية. وكيف كانت حياة أمة الإسلام فإذا كان عارفا بتاريخ الحضارات فسيجيب بالقول أن الأمم المسيحية كانت غارقة في ظلمات الاستبداد والاستغلال والاحتكار، ومصائب الجهل والفقر والمرض والتخلف، وأنها ما عرفت التقدم والازدهار إلا بعد أن فتح المسلمون أعين أبنائها على قيم الحق والعدل والحرية والمساواة والخير والكرامة.وأناروا عقولهم بالعلم والمعرفة وعرفوهم أنواع العلاج وقيمة الصحة والنظافة ومعنى العمران والمدنية؟

هل يذكر البابا، يوم كانت أوربا كما يقول بعض أبنائها المؤرخين ومنهم "لا فيس" و"رامبوا" في كتابهما " التاريخ العام" *.... كانت أوربا في ذلك العهد غاصة بالغابات الكثيفة، متأخرة في زراعتها، وتنبعث من المستنقعات الكثيرة في أرباض المدن روائح قتاله تجتاح الناس وتحصدهم، وكانت البيوت في باريس ولندن تبنى من الخشب والطين المعجون بالقش والقصب، ولم يكن فيها منافذ ولا غرف مدففة، وكانت البسط مجهولة عندهم، لا بِسَطْ  لهم غير القش يفترشونه على الأرض، ولم يكونوا يعرفون النظافة ويلقون بأحشاء الحيوانات وأقذار المطابخ أمام بيوتهم، فتتصاعد منها روائح مزعجة وكانت الأسرة الواحدة تنام في حجرة واحدة تضم الرجال والنساء والأطفال، وكثيرا ما كانوا يؤوون معهم الحيوانات الداجنة، وكان السرير عندهم عبارة عن كيس من القش فوقه كيس من الصوف يجعل مخدة أو وسادة. ولم يكن للشوارع مجار ولا بلاط ولا مصابيح ولم تكن أكبر مدينة في أوربا تضم أكثر من خمسة وعشرين ألفا*. هكذا كانت حياة الغرب في القرون الوسطى في الجانب العمراني وجانب من الحياة الاجتماعية وكانت بقية الجوانب أسوا من هذا الجانب بكثير.

وما تحررت من هذا البؤس والشقاء إلا بفضل احتكاكها بالإسلام وحضارته من خلال الحروب الصليبية وصقلية والأندلس وغير ذلك من نقاط الاحتكاك فعندها تحررت من حكم الكنيسة وبدأت تزحف نحو المعرفة والتقدم والمدنية، فهل يذكر " البابا" هذا الأمر أم لا؟ وهل يجهله أم يتجاهله؟ وإذا كان هو لا يذكره أو يتجاهله فهناك الكثير من رجال الغرب من يذكر ذلك ويعترف به ويقر بالفضل لأهله. ونحن نشكر هؤلاء ونثني عليهم ونعترف بدورنا بفضل الإضافات الكبيرة والهائلة لحضارة الغرب في جوانب الحياة المادية وأفضالها على حياة الناس اليوم، ولكن نؤكد أن الإسلام لا يزال وسيبقى دائما متقدما جدا عن أي تقدم يحرزه الإنسان في الميادين التي تناولتها أحكامه وقواعده ومبادئه لأنه من الله سبحانه وتعالى وهو كلمته الأخيرة لكل خلقه*ومن أحسن من الله قيلا*.

إن البابا في ما أطلقه من أوصاف للإسلام ورسوله  يعبر عن بعض ما في صدره من حقد على الإسلام والمسلمين وهو بهذا ينظم إلى ما صرح به بوش أكثر من مرة وما نشرته بعض الصحف الدنماركية والغربية من رسوم كاريكاتورية تحاول النيل من قدسية الرسول الله   وقدسية مكانته لدى المسلمين وهم جميعا ما تجرؤوا كل هذه الجرأة إلا لما لا حظوا ضعف سلطان المسلمين وضعف مكانتهم في المجتمع الدولي. ووجدوا الكثير من أبنائه ولا سيما المتنفذين منهم يسعون في طلب ودهم ويحرصون على رضاهم ويسارعون في تنفيذ أوامرهم وتعليماتهم، ولو كانت على حساب دينهم ومصلحة شعوبهم وأوطانهم فظنوا واهمين أن الوقت مناسب للنيل من قدسية الدين نفسه. وقدسية رسوله محمد ،إلا أنهم غفلوا أو جهلوا السبب الذي جعل قادة الأمة يسارعون فيهم. إنهم أصبحوا كذلك لما ضعف سلطان الدين على نفوسهم وأصبح قرآنه أغاني على الألسنة، وأحاديثه أحاديث للتلهية، وفسح المجال لشيوع الخرافات في الاعتقاد. والبدع في العبادات، والعادات في الأحكام والمعاملات، والتقاليد في الآداب والعلاقات. فهانوا بذلك على الله وهانوا على أنفسهم وهانوا على الناس. فأصبحوا على ماهم عليه من ذل وهوان وتبعية وأصبح دينهم هدفا لكل رام ونهزة لكل عاد وأصبحت ثرواتهم فريسة لكل مفترس.

إن الإسلام أصبح اليوم مظلوما من أهله لما لم يلتزموا به في حياتهم ولم يدافعوا عنه ولم يأخذوا له بحقه من ظالميه، ومظلوما من أهم قادة الغرب ورجال الدين فيه  الذين أصبحوا يتهجمون عليه سرا وعلانية ويتعاملون معه ومع حامليه والدعاة إليه بمنطق القوة لا بمنطق العدل، وبمنطق المصلحة لا بمنطق الحق، فهل آن الأوان ليفيء حكام الأمة وقادتها وذووا الرأي فيها إلى الإسلام كما فاء إليه سلفهم الذين جعلوا من أنفسهم جندا له فتطهرت قلوبهم بتقوى الله، واستقامت جوارحهم على ما شرع الله فاستنارت لهم الحياة وأشرقت لهم الأرض وتمهد أمامهم الطريق نحو الاستقرار ونحو التقدم والازدهار.

  إنه لزاما على قادة الأمة اليوم أن يراجعوا أنفسهم في مواقفهم من الغرب ويضعوا حدا لهذا التهافت على أعتابه والطرق الدائم لأبوابه، وأن يعودوا إلى أنفسهم ، يأخذون بعزيمة السير على طريق السلف فلا يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

وبهذا ينتصرون لدينهم ورسولهم  وينتقمون لأنفسهم ويدخلون السرور على قلوب أبناء أمتهم ويؤسسوا لنهضة حضارية جديدة لأوطانهم تكون أداة البشرية المستضعفة اليوم في رفع العدوان الواقع عليه وجعلها تتمتع بطعم الحياة الحقة كما تمتع بها أجدادها يوم كانت حضارة الإسلام عزيزة الجانب ومنيعة الحمى، وعليهم إزاء هذا العدوان المتجدد أن يوروا الفاتيكان من أنفسهم

قوة وعزة فيستدعوا سفراء البابا ويبلغوه قولا بليغا يدفع إلى الاعتذار ويمنع تكرر العدوان.         

 

 

بيــــــــــــــــــان