حوار : ياسر باعامر
يعتبر الشيخ (عبد الله جاب الله) أحد الوجوه الإسلامية البارزة في الساحة الجزائرية، وله حضور في الحياة السياسية على مدى السنوات العشرين الماضية، يترأس في الوقت الراهن حركة الإصلاح الوطني الجزائرية ذات التوجه الإسلامي.. اشتهر بمناظراته مع العلمانيين. ويتمتع ضيفنا بنوع من الكاريزمية الإسلامية، وتعتبر حركته من القوى الإسلامية الرئيسة على الساحة الجزائرية إن لم تكن الأولى.. (عبد الله جاب الله) اسم تردد في أروقة الانتخابات الرئاسية الجزائرية؛ فقد ترشح في انتخابات أبريل/ نيسان 1999م قبيل انسحابه مع ستة آخرين. المرشح الحالي لحركة الإصلاح الوطني في الانتخابات الرئاسية الجزائرية القادمة. أخذ الحوار أبعاد متعددة يمكن أن تصب في خانة النواحي الفكرية منها الوصاية المجتمعية التي تفرضها تيارات الإسلام السياسي، نظرته إلى العلمانيين الاستئصاليين في الجزائر، تقييمه للمشاركة النيابية الإسلامية، نظرته إلى مدى استفادة الدعوة من أجواء الديمقراطية الحرة، حركة الإصلاح الوطني وفاعليتها في المجتمع المدني الجزائري، مبدأ التعددية السياسية الإسلامية في إبداء الرأي، اللحاق بركب الفرانكفونية و المعارضة الإسلامية المستمرة.
- هناك سؤال عام تطرحه بعض الدوائر الفكرية، وهو أن تيارات الإسلام السياسي تمارس نوعاً من الوصاية على المجتمع ، ولنأخذ الجزائر نموذجاً في هذا الاتهام
-
ما نطرحه نحن في الجزائر وهو من صميم أدبياتنا، فنحن لسنا أوصياء على أحد، و آراؤنا ليست مقدسة؛ بل هي آراء واجتهادات بشرية، فمن قالها وعمل بها فقد عمل باجتهاد بشري، ومن خالفها فقد خالف اجتهاد بشري، ولذلك نحن لا نصادر آراء الآخرين ولا نحجر عليها
العلمانيون الاستئصاليون في الجزائر
- من واقع الأحداث الجزائرية يتضح وجود تضاد شرس في شكل العلاقة بين الإسلاميين و العلمانيين، فكيف تنظرون لهذا الواقع؟
-
التيارات العلمانية- كما هو الحال بالجزائر- نقسمها إلى قسمين:
قسم من هذه التيارات يتقبل الآخر، وهذا النوع من التيارات بيننا وبينه أشكال وصور من التنسيق شهدتها الساحة الجزائرية عقدًا من الزمن، أكبر صور التنسيق حصلت في عام 1995م، و الذي تُوج بتوقيع ما سمي بالـ"عقد الوطني" و الذي اشتمل على تصور عملي لحل سلمي وعادل للأزمة الجزائرية بمنهجية موضوعية ومتوازنة ومتدرجة، منها التنسيق الذي حصل في الانتخابات الرئاسية الجزائرية في سنة 1999م، وكيفية التصدي لعمليات التزوير التي يمكن أن تعيشها الانتخابات الجزائرية، ثم التنسيق في عملية الانسحاب بعدما تأكد لنا أن النظام عازم على التزوير وتنفيذ أهدافه الغير مشروعة.
القسم الثاني هم العلمانيون الذين اختاروا النهج الاستصئالي في التعاطي مع الآخر ( التيارات الإسلامية) يرفضونها ويضعون أمامها العراقيل، ويسعون في تأليب السلطة علينا بكل ما أوتوا من قوة. هنا التيار الإسلامي ضحية في واقع الأمر وهو المجني عليه وليس الجاني، ونحن كإسلاميين رفعنا منذ بداية الأزمة شعار ضرورة الاعتماد في بناء الجزائر أو في حل أزماتها على ما يسمى بـ"حركة المجتمع الواسع"، وهذا يعني أنه يجب على الجميع المساهمة في حل أزمة الجزائر.
المشاركة النيابية الإسلامية
حركة الإصلاح الوطني-
سابقًا كنتم تترأسون حركة النهضة، و اليوم نجدكم تترأسون حركة الإصلاح الوطني؛ فما هي الطبيعة التأسيسية لهذه الحركة الجديدة؟
-
حركة الإصلاح الوطني هي وارثة نضال حركاتنا السابقة بدءًا بالتنظيم الذي كان يعرف باسم "جماعة جاب الله" الذي امتد من سنة 1974م إلى 1987م مرورًا بتنظيم الجماعة الإسلامية سنة 87- 1988م، وجمعية النهضة للإصلاح الثقافي والاجتماعي 88- 91م، ثم حركة النهضة الإسلامية 90 -1999م، وحركة النهضة 97-1998م.
إنها وارثة نضال تلك الحركات وروافدها المختلفة التي كانت أساسًا للصحوة الإسلامية التي عرفتها البلاد ( الجزائر)، وما صاحبها من حركة علمية وأعمال خيرية ونقابية غرست في القلوب حب الله ورسوله، والتفاني في خدمة الدين والوطن، ورفع العدوان الواقع على حقوق الأمة والأفراد، وبذل الجهد لتوجيه الأمة توجيهًا صحيحًا يصحح عقيدتها وعباداتها ويحسن أخلاقها، ويصحح نظرتها للدين والحياة، ويزيد من وعيها بحقوقها وواجباتها، وبالطريق الذي تسلكه في أداء الواجبات والمطالبة بالحقوق، وعلى حركة الإصلاح اليوم واجبات مضاعفة نحو حقوق الأمة ومقومات شخصيتها؛ فهي مدعوة لتواصل النضال من أجل تحقيق العفو العام الشامل الذي يجمع الشمل المشتت، ويعيد الأمن الضائع، ويوفر الثقة المفقودة، ويسمح بالتعاون على بناء الوطن في تنافس مشروع يجد المواطن نفسه محفوظ الدين والنفس، ومصان العرض والمال، يشعر أن له دولة مهابة الجانب تسهر على حمايته ورعاية مصالحه دون حيف ولا تفريط، وهي مدعوة لتواصل النضال من أجل حفظ وصون مقومات شخصيته التي هي مظاهر سيادة الدولة واستقلالها وعوامل وحدة الأمة والتئام أحوالها، وقواعد صلاح الدنيا واستقامتها، وأجدى الأمور نفعًا في انتظامها وسلامتها.
فلا سبيل لإحياء معاني العزة والكرامة لدى الأمة، وإشعارها بمسؤولياتها الرسالية نحو نفسها ووطنها، ونحو أتباع دينها وبني عمومتها من العرب والمسلمين، ونحو الإنسانية قاطبة؛ إلا سبيل العودة بالأمة إلى ذاتها، إلى دينها أولاً، وإلى لغتها ثانيًا، وإلى تاريخها وموروثها الحضاري والثقافي ثالثًا، وإلى تمكينها من ممارسة حقها في اختيار حكامها وممثليها اختيارًا حرًّا قانونيًّا ونزيهًا رابعًا، وإلى توفير شروط احترام قواعد الديمقراطية وتوفير ضمانات حماية الحريات الفردية والجماعية من التعسفات والتجاوزات خامسًا، وأن تبذل اليوم كل ما في وسعها لطي صفحة الآلام وتحقيق الأمن الشامل للأفراد والمؤسسات سادسًا، فالأمن والاستقرار بالنسبة للأمة والأفراد والدولة والمؤسسات كالغذاء بالنسبة للحياة، فهل يمكن أن تنمو الأبدان بدون غذاء، أو تكون حياة بدون هواء؟، كذلك لا يكون للأمة والأفراد وجود ولا للدولة والمؤسسات عطاء ولا يكون هناك تقدم ولا ازدهار بدون أمن شامل لأمة والأفراد واستقرار للدولة والمؤسسات
-
ما هي الشعبية التي تحظون بها بين دواليب الشعب الجزائري؟
-
إن منـزلة حركة الإصلاح وقيمتها عند الأمة - على حداثة عهدها بهذا الاسم- منـزلة وقيمة رفيعة وعالية أكدتها عملية جمع التوقيعات للترشح للرئاسيات، وتجمعات الحملات الانتخابية، ففي كل بلدية نزلنا بها وبدون سابق إخبار أو إعداد - أحيانا - كانت الجموع الحاشدة تنسينا متاعب السفر ومشقة الطريق، وتزيد شعورنا عمقا بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقنا نحو أمتنا، وقد أعطت البـرهان الساطع على أن الحركة قد حازت ثقة الأمة، وأضحت أملها في التغيير السلمي والإصلاح الاجتماعي و المثال على ذلك : نتائج الانتخابات التشريعية والمحلية لعام 2002 حيث حازت فيها المرتبة الثانية بعد التزوير الذي قامت به جهات نافذة في الإدارة المدنية والعسكرية حرمت الحركة من الفوز بالمرتبة الأولى، وبذلك صار لزامًا على الحركة أن تتحرك في الساحة الجزائرية بصفتها القوة السياسية الأولى شعبيًّا والثانية رسميًّا.
- باعتباركم حركة ذات شأن سياسي، والكثير من المفكرين الإسلاميين كتبوا كثيرًا عن معضلة غلبة الشأن السياسي على الهم الدعوي لكوادر التيارات الإسلامية التي انتهجت النهج السياسي، ما هي نظرتك تجاه مثل هذه الآراء؟
- أولاً أريد أن أصحح هذه المصطلحات، أجد الكثير من العاملين في الحقل الإسلامي يفرقون بين الدعوة و السياسة، وهذا أثر من تأثر الفكر العلماني، وهي لوثة علمانية مست الفكر و العقلية الإسلامية في ساحتنا العربية و الإسلامية.
ونظرتي تختلف هنا حيث أرى أن الدعوة سياسة و السياسة دعوة.. ما الدعوة؟ أليست الدعوة حركة بناء لمجتمع يحقق الخلافة التي أرادها الله؟ لكن هذه الدعوة بهذا الإطار و المفهوم العميق و الشامل و الضروري في نفس الوقت يجب أن نختار لها أفضل الوسائل وأفضل الطرق التي تمكنها من تحقيق هذا الهدف. وبالعودة إلى دراسة التجارب الإسلامية في ميدان التحرك لهذه الدعوة نجد أن أفضلها وأسلمها إنما هو المنهج السياسي في التغيير أو في الدعوة إلى الله.
إذًا الدعوة هي إطار عام و العمل السياسي هو الوسيلة التي تعتمد من طرف الدعاة إلى الله لأداء واجباتهم لتمكين هذا الدين، فليس هناك تعارض بين هذا أو ذاك، ولا يمكن أن يكون بديلاً عنه، بل هناك تكامل وظيفي حقيقي لابد منه. لكن هناك ظاهرة اتفق معها وهي أن هناك من اهتم بالسياسة ضعف اهتمامه بالصلاة وضعف اهتمامه بقراءة القرآن الكريم والناحية الإيمانية وضعف اهتمامه بالعمل الخيري، هذه ممارسات خاطئة وانحرافات سلوكية لا يقرها دين الله عز وجل، ولم يفرضها العمل السياسي، لكن فرضها الفهم الخاطئ لهذا الشخص أو ذاك، والتأثر السلبي بالفكر العلماني في الممارسة السياسية، كما فرضها أيضًا غلبة حب الدنيا على الآخرة، فأراد أصحابها أن يبرروا هذا الميول للدنيا والابتعاد عن الآخرة بمقولات لا تقوم لها حجة ولا ينهض بها دليل.
آراء فكريــــــــــــــــــــــــــــة
- نجد تسارعًا محمومًا من قبل حكومات دول المغرب العربي نحو ركب الفرانكفونية، ونجد هناك معارضة من قبل التيارات الإسلامية في تلك البلدان، فلماذا لا يكون الالتحاق دون تفريغ ثوابتنا الإسلامية، واعتبار هذا الركب ضمن التحالفات الدولية؟
-
لا يمكن .. إذا التحقت بهذا الركب تكون قد تخليت عن أهم ثوابتك؛ لأن هذا الركب يعني أن تتبنى اللغة الفرنسية كلغة وثقافة، وإذا فعلت هذا فأنت قد تخليت عن لغتك وثقافتك العربية و الإسلامية، ورضيت أن تكون ذيلاً للغرب، و الفرانكفونية ليست تجمعًا دوليًّا كما يعتقد البعض لتحقيق أنواع من التعاون في شتى المجالات؛ بل هو تجمع ذو بعد ثقافي واجتماعي واضح متبوعاً بعد ذلك بالبعد الاقتصادي و السياسي، لذلك نحن رفضناها في الجزائر ونددنا بها، و لا نزال نرفضها ونقاومها بالفعل السياسي السلمي بكل ما نستطيع، ونحن نعرف آثارها لأننا نعيش آثارها، ولأن الفرانكفونيين في البلاد يقومون بحرب حقيقية على الذات الإسلامية و العربية للشعب الجزائري، وبد هذا واضحًا في مشروع منظومة التربية الذي تمس مادة التربية الإسلامية بحذفها من كل المنظومة، فقلص حجم تدريس اللغة العربية وساوى بين كل الأحقاب التاريخية التي مرت بالجزائر ليستوي في حس الأجيال القادمة القديس أوسطن (مسيحي وثني من مواليد الجزائر)، و الذي كان سببًا في مذبحة ضد الموحدين من المسيحيين، ليتساوى هذا مع رموز الأمة مثل يوسف بن تاشفين وطارق بن زياد، والأمير عبد القادر الجيلاني، والشيخ عبد الحميد بن باديس وغيرهم رحمهم الله، لذلك قاومنا و لا نزال. و الفرانكفونية هي بعد إيديولوجي لما يسمى بـ"العولمة"، وهذا لا يعني أننا ننغلق مع أنفسنا؛ بل نحن مع انفتاح مع الآخر يقوم على قاعدة بالاعتزاز بذاتيتنا العربية المسلمة.
-
هناك من يقول مقولة :"لو آلَ الحكم إلى قيادات الصحوة الإسلامية لتشرذم الحكم". ما رأيك؟
- هذه المقولة فيها تشاؤم كبير؛ لأنه حكم على وضع مستقبلي من خلال الوضع القائم، ولم يراعِ الاختلافات الجوهرية بين الوضع المستقبلي والوضع القائم. حال الناس وهم في السلطة ليس كحالهم وهم خارج السلطة، ثانياً لابد من تطوير الفكر السياسي في كيفية بناء السلطة، مع التأكيد وعدم الإنكار أن الفكر الإسلامي بشكل عام لا يزال يؤمن بالفكر الواحدي نتيجة العوامل التاريخية وعوامل واقعية عاشوها في أوطانهم نتيجة أشكال وصور من الضغط الحاصل عليهم ألجأتهم إلى أنماط من العمل السري تتطلب ربما تفكير وتصور معين وآليات معينة .. إلى غير ذلك، وهذه مظاهر مرضية؛ لكن لا أتصور أن يكون العلماني ذو النهج الاستئصالي العميل للغرب الخائن لوطنه أقدر على رعاية مصلحة الأمة من المسلم الذي ربما تكون له قطيعة مع الغرب كلية أو جزئية محدودة، ويخاف الله... لا أتصور أن يكون مثل ما ذكرنا.
-
سيدي لو استلمتم زمام السلطة هل ستؤمنون بحرية إبداء الرأي ولو كان من العلمانيين؟
- بلا شك، نحن نتيح لهم التحرك والفرصة في إبداء الرأي ضمن الدستور الذي نضعه للبلاد وضمن القوانين التي تحكم المجتمع، و التي سيكون من بينها احترام دين الأمة، واحترام تاريخ الأمة و لغتها، ونحن في هذا لا نأتي بدعًا في حياة الدول؛ بل لكل دولة خطوط حمراء يتعين على المواطنين احترامها
ضيفنــــا في سطــــــور
ولد سعد عبد الله جاب الله في مايو/أيار 1956 في ولاية سكيكدة بالشرق الجزائري في أسرة فقيرة.
فكان يعمل أثناء دراسته حتى حصل على شهادة الثانوية العامة، ثم التحق بكلية الحقوق ليتخرج فيها عام 1978.
دخل جاب الله العمل السياسي الإسلامي مبكرًا، وحاول تأسيس خطاب إسلامي معتدل. وفي الممارسة السياسية يتخذ جاب الله موقف المعارضة الإسلامية التي تؤمن بالحوار والتعددية.
انتسب جاب الله منذ سنة 1974 إلى إحدى فصائل الحركة الإسلامية التي كان يرأسها الداعية الشيخ محمد صلاح عابد وهو من كبار شخصيات قسنطينة الدينية. ودخل جاب الله السجن مرارًا متهمًا بالتحريض من خلال خطبه الدينية الحماسية، فسجن في السنوات 1982 و1984 و1985 و1986.
بعد أحداث أكتوبر/ تشرين الأول 1988 الدامية أنشأ جاب الله جمعية النهضة الخيرية التي أصبحت في مارس/آذار 1989 حزبًا سياسيًّا معترفًا به.
بعدما ألغيت الانتخابات البرلمانية في يناير/كانون الثاني 1992 ترأس جاب الله خلال فترة وجيزة ما عرف باسم "لجنة احترام اختيار الشعب"، وقاطع انتخابات عام 1995 الرئاسية. وبعد فوز حزب النهضة في الانتخابات التشريعية التي جرت في يونيو/حزيران 1997 بـ34 مقعدًا، امتنع جاب الله من الدخول في الحكومة الائتلافية.
بعيد انتخابات أبريل/نيسان 1999 الرئاسية انتزعت المجموعة البرلمانية لحركة النهضة برئاسة لحبيب آدمي أغلب صلاحيات جاب الله رئيس الحركة، وذلك أثناء انعقاد مؤتمر "المماشاة" مع قانون الأحزاب السياسية الجديد الذي فرضه اليامين زروال.
تطورت أزمة جاب الله وأعضاء الحركة البرلمانيين إلى أن وصلت إلى حد القطيعة عندما اختارت مجموعة البرلمانيين مساندة عبد العزيز بوتفليقة أثناء ترشحه لانتخابات أبريل/نيسان 1999 الرئاسية. واختار جاب أن يترشح حرًّا (مستقلاً) ثم أسس بعيد ذلك حركة الإصلاح الوطني وأصبح رئيسًا لها. وكان جاب الله من بين ستة مرشحين أعلنوا انسحابهم قبل الاقتراع الرئاسي، و يُعدُّ المرشح الرئاسي الحالي عن حركة الإصلاح الوطني الجزائري.