عودة للحوارات

الشيخ عبد الله جاب الله:
العفو الشامل خطوة تحتاج لتجسيد فعليّ

حوار/ رشيد محمد رشيد
7/1/1426
16/02/2005
موقع الإسلام اليوم

يعتبر تجمع (حركة الإصلاح الوطني) الإسلامي من أكبر الأحزاب الجزائرية التي يصل عددها إلى (60) حزباً، وتمثل جميع الأطياف السياسية، ولكن رياح الخلاف دخلت بيت الحركة خلال الأشهر القليلة الماضية مما جعلها تواجه زوبعة تنظيمية، في هذا الحوار الخاص بموقع (الإسلام اليوم)، تطرق رئيس حركة الإصلاح الوطني الإسلامية الجزائرية الشيخ عبدالله جاب الله إلى ملف الأزمة الداخلية التي تعيشها الحركة، والتي كادت تعصف بكيانها من الداخل، كما تطرق إلى الوضع السياسي في الجزائر منذ الأزمة الأمنية التي تسببت في إراقة الكثير من الدماء فإلى نص الحوار...

خلافات تنظيمية في حركة الإصلاح الوطني

منع وزير الداخلية الجزائرية إعطاءكم الترخيص لعقد المؤتمر العام بسبب الخلاف مع الـ (12) شخصية المنسحبة من الحركة. فما تعليقكم على هذا القرار؟

ما هو معلوم اليوم أن حركة الإصلاح الوطني هي القوة الثانية في الجزائر بحسب نتائج الانتخابات، ولكن لا يمكن مس الحركة في عُقر دارها، كما أن مصداقيتها مستمدة من قوة رئيسها، أما بالنسبة للمحاولات القائمة اليوم أو التي ستقوم في المستقبل، إذا ما أصر المنشقون عن الحركة على غيّهم وباطلهم فالحركة ستنجح في طيّ ملفاتهم، كما نجحت في طيّ ملفات من سبقهم، وستتمكن من عقد مؤتمرها -بإذن الله- وتخرج منه برؤى ناضجة وقوة أكبر وانتشار أوسع.

بالنسبة لقرار الوزارة فأنا أتأسف على أننا ذهبنا للقضاء رغم القرار بعدم الترخيص لمؤتمر الحركة الذي كان من المفترض أن يُعقد في أواخر ديسمبر 2004م؛ إلا إنني لم أتوقع أن يصل الخلاف إلى هذا الحد من الشتم والاتهامات التي اتهمني بها المنشقون، والوِشايات التي أُلصقت بشخصي، ولكن أقول وأكرر أن الحدث يُعتبر سابقة غير مسبوقة في مسار الصحوة الإسلامية عموماً، وكما يعرف الجميع أن حركة الإصلاح الوطني حزب له حضوره المتميز في الساحة الوطنية وله مؤسسات تقوم على تسيير شؤونه وفق قواعد الشورى والديمقراطية، ولهذا فالأصل أن تخضع الأقلية للأكثرية وأن تسعى للإقناع بآرائها داخل مؤسسات الحزب، أما أن تخرج عن إرادة الأغلبية، ثم تسعى لإقحام السلطة فيما زعمته خلافاً فهو أمر لا نقره.

ما رأيكم في قرار وزارة الداخلية الجزائرية بعدما رفضت الترخيص لقيادة حركة الإصلاح بعقد مؤتمرها؟

من الغرائب التي تحدث في الجزائر أن حزباً له قواعده كحركة الإصلاح الوطني التي قرّرت مؤسساتها الشرعية عقد مؤتمرها العادي بعد الانتهاء من التحضير له وفق ما ينص عليه القانون الأساسي والنظام الداخلي، أن يفاجئنا قرار من وزارة الداخلية يمنعها من عقد المؤتمر بسبب رفع دعوى قضائية ضد مؤسسات الحركة يطالب بمنع الحركة من عقد مؤتمرها، وهنا أقول:
إن مثل هذا التصرف لا يُقبل، وهو يتعارض مع تقاليد الفعل الديمقراطي الذي هو أحد مكتسبات عهد الديمقراطية في الجزائر، وكان الأحرى بالوزارة إذا خامرها شك أن تنظر في قوانين الحزب، وتتأكد من مدى احترام مؤسسات الحركة لها، وإذا وجدت أن قوانين الحزب تُعطب لرئيس الحركة الحق في دعوة المؤتمر بالأغلبية، ثم توفرت الأدلة لذلك وجب عليها منح الرخصة، وهنا أوضح أكثر أن الحركة واحدة، وهي بقيادة واحدة ومؤسساتها موحدة ومنسجمة والقرار الذي يُسمع ويُطاع هو القرار الصادر عن مؤسسات الحركة، وأي شيء خلاف ذلك هو مضيعة للوقت وتبديد للجهد؛ لأنه سعي وراء سراب.

يعتبر البعض أن قرار وزارة الداخلية في النزاع القائم من جانب مجموعة المنشقين الـ(12) والحركة قرار عادل حتى لا يفسر بانحيازها تجاهكم. فما تعليقكم؟

أنا أنظر للموضوع من الناحية القانونية، فمن حق الحركة أن تعقد مؤتمرها، و لا يحق لأي جهة كانت أن تقرر في مكان مؤسساتها، لا سيما و أن القرار اتخذه مجلس الشورى الوطني يوم 27 مايو 2004م، ثم تحدّد التاريخ في اجتماعي 18 نوفمبر و9 ديسمبر الماضيين، وتم خلالها تثمين عمل اللجان، لكن جماعة المنشقين أو (أعضاء الحركة التقويمية) قرّروا عقد مؤتمرهم بمعنى أن الحركة ستعقد مؤتمرين لنفس الحركة!

إن حركة الإصلاح لها قانون يحكم سيرها، ولها مؤسسات تسهر على تطبيق ذلك القانون وخدمة الأهداف التي من أجلها وُجدت الحركة، ورئيس الحركة هو صاحب القرار في الحديث باسمها وتمثيلها أمام الهيئات المختلفة، كما تبين بأن مجلس الشورى الوطني قد أجمع أمره على فصل من خرج عن طوعه وطعن في قراراته وسعى في زعزعة استقرار الحركة و النيل من مصداقيتها، فإنه هو الوحيد الذي يظل مستقبلاً صاحب الحق والسيادة في تقرير ما يجب أن يكون، أما المنشقون فإنهم فُصِلوا ولم تعد لهم صلة بحركة الإصلاح الوطني، ولا يحق لهم التحدث باسمها وستتحمل الحركة مسؤولياتها في متابعة ما قد يفعلون بتهمة انتحال الصفة والتزوير.

هل تنوون عقد المؤتمر رغم الاختلافات التي تعرفها الحركة؟

نعم سنعقد -إن شاء الله- المؤتمر وما من شك في ذلك، وأعتقد أن هناك اختلافات لا تخفى عليكم؛ فحركة الإصلاح الوطني قامت بالتحضير للمؤتمر العادي بقرار من مجلس شورى الحركة، ولهذا فقد نظمت مؤتمراتها الولائية تحت معاينة محضرين قضائيين، وجرت عملية انتخاب المندوبين ومناقشة وثائق المؤتمر في جو ساده الشعور بالمسؤولية والحرية بعيداً عن الضغط والإكراه، ويشهد على ذلك المحاضر والأشرطة السمعية البصرية التي سجلت جميع أعمال التحضير من دورة مجلس الشورى في 27 مايو 2004 إلى لقاءات اللجان المختلفة ثم دورة المجلس في 18 نوفمبر و دورة 9 ديسمبر إلى المؤتمرات الولائية، لذلك لا يوجد أي مبرّر قانوني لعرقلة المؤتمر.

إلى أي حد يمكن تشبيه الحركة التقويمية التي أسسها المنشقون عن الحزب بالحركة التصحيحيّة في حزب جبهة التحرير الوطني التي قامت ضد الأمين العام السابق علي بن فليس؟

هنا أجيب عليكم بمبدأ عملي جداً وهو: من أراد أن يقّوم أو يصحّح لماذا لا يفعل ذلك في إطار مؤسسات الحركة؟ ولماذا إذا دُعي إلى أعمال لجان المؤتمر تخلّف عن الحضور، و إذا دُعي لاجتماع مجلس الشورى تغيّب ... وهنا أقول ينبغي على الإنسان أن يكون منطقياً مع نفسه، فإما أن يعترف بمؤسسات الحركة ويطرح ما يؤمن به من أفكار بداخلها، و إما أن يقول صراحة أنه لا يعترف بالمؤسسات وله مشروع آخر، ويهمّنا معرفة مشروعه والهدف من ورائه، أما الاستمرار بالمتاجرة بما يسمّونه تقويماً وتصحيحاً خارج المؤسسات فهو حيلة لا تنطلي على كثير من الناس، وإذا اغتر بها البعض اليوم فسيفيقون غداً.

ما مبرر انقلاب شخصيات كان لها وزنها وثقلها داخل الإصلاح على رئيسها ومؤسساتها؟

هذا سؤال وجيه ومهم ولكنني لا أجيب عليه، ولن أتناوله في حديث صحفي، وسأفرده في المستقبل بكتابات خاصة، هي في العموم ظاهرة من الظواهر المرضية الموجودة في ساحة العمل الإسلامي على وجه التحديد في الجزائر وغيرها وهي ظاهرة تستوجب اهتمام أصحاب العلم والخبرة.

يتهمك خصومك بأنك تتجاوز القوانين و تتعسف في استعمال السلطة، وأنك كنت تهين إطارات الحركة في اجتماعات رسمية؟

هذه اتهامات مغرضة تريد النيل مني وتفتيت الحركة من الداخل؛ لذا أقول لكم: إنه كلام قديم لا يستحق أن أقف عنده، وما دمنا قد فتحنا الباب خلال المؤتمرات الولائية ولجان تحضير المؤتمر فمن كان له رأي متعلق بالرؤية السياسية أو بالنظام الداخلي أو القانون الأساسي، يمكنه أن يطرحه ويحاول الإقناع به، ونحن في الحركة نقوم بالنقاش في كل شيء، وخصوصاً المسائل الجوهرية التي يُفصل فيها بقرار من الأغلبية، فهل هناك مبرر يسمح بإصدار أحكام مسبقة في مستوى هذا الحجم؟ الخلاف الداخلي ضخّمته وسائل الإعلام

يتّهمونك بمحاولة إبعاد المؤسّسين للحركة وتقليص صلاحيات مجلس شورى الحركة فما تعليقكم؟

أنا شخصياً لا أفصل في شيء وإنما لجان المؤتمر والمؤتمرات الولائية هي التي تفصل وتقرر، وما عدا ذلك فهي مجرد آراء، من كانت له ثقة في رأيه، ويعتقد أنه صاحب حجة وقدرة على الإقناع، عليه أن يطرح رأيه ويعمل على الإقناع به. الجدير بالذكر هنا هو أن مساحة حرية الرأي والاقتراح داخل مؤسسات الحركة كبيرة.

اتّهمك المنشقون بأنك قمت بمشاورات للدخول إلى الحكومة؟

كل ما جرى حديث بيني وبين سفير سابق حول النسب والنتائج المحتملة لانتخابات 2002 التشريعية، و لم يصل الأمر إلى طرح المشاركة في الحكومة سواء في ولاية الرئيس الأولى أو الثانية.
أما مشاركة الحركة في الحكومة الجزائرية فذلك في الوقت الحالي مستبعد وموقف الحركة ثابت، وهو يقوم على إقرار المبدأ والتفاوض على الشروط التي تجعل المشاركة في الحكومة فاعلة، ولكن أعيد لأشير إلى أن الحركة لم تتفاوض من أجل الحصول على حقائب وزارية لحد الآن.

هناك من يرى أن ما يجري حالياً بحركة الإصلاح هو ثمن وقوفها إلى جانب علي بن فليس مرشح الانتخابات الرئاسية؟

هذه فكرة موجودة وقائمة، و ذكرها كثير من الناس، و لكن لا نحب أن نقف عندها طويلاً، و لا نركز عليها.

كحزب ديمقراطي تدعون إلى التداول على السلطة فكيف تفسرون بقاءكم في القيادة؟

التداول على المسؤولية مبدأ من أهم المبادئ التي يجب أن تُراعى في بناء الأحزاب وسائر التنظيمات، و يتحقق ذلك في نظري بتحديد فترات المسؤولية من طرف القواعد التي تتولى اختيار مسؤوليها وهو ما نحرص عليه باستمرار. وأقول: إنني لم أفرض نفسي على أحد، وكنت أدفع الأخوة المؤتمرين إلى مواقع المسؤولية التي أقدم لها رغماً عني وهكذا كان حالي منذ تأسيس (جماعة جاب الله السريّة) عام 1974، بجامعة قسنطينة بالجزائر ثم عُرفت علناً باسم (الجماعة الإسلامية) عام 1987.

مستقبل الحركة إلى أين اليوم؟

ما هو حاصل اليوم مجرد خلاف بسيط قامت بتضخيمه وسائل الإعلام وبعض الأقلام الصحفية المحسوبة على المنشقين عن الحركة، بفعل التصريحات غير المسؤولة، وعُرض على مؤسسات الحركة وفي مقدمتها مجلس الشورى الوطني، الذي حسم الموضوع بقرارات معلومة ومنشورة في وسائل الإعلام، و أُذكّر نفسي وهؤلاء أنه لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار، وستخرج الحركة أصلب عوداً وأقوى شكيمة و أوسع انتشاراً وأكثر إصراراً على المضيّ في النضال من أجل مصلحة الإسلام و الجزائر.

ماذا لو تعود المياه إلى مجراها الطبيعي، و يرجع المنشقون إلى الحركة؟

أنا قلتها لهم ودائماً، أقولها: بيت حركة الإصلاح مفتوح لكل المناضلين، وأنا مستعد لقبول عودة المنشقين إلى صفوف الحركة دون ضغينة أو أحقاد، وأحضان الحركة واسعة شريطة ألاّ يكرّروا أخطاءهم، وأن يحترموا الحركة وقيادتها وشرعيتها ومؤسساتها، وأن يكفروا عمّا بدر منهم.
المصالحة الوطنية هي الحلّ الأمثل

موقف الحركة من مسألة تعديل قانون الأسرة الجزائري؟

الإصلاح الذي تبنته السلطة ليس هو الإصلاح الذي تدعو إليه حركة الإصلاح الوطني، فما يتعلق بقانون الأسرة، نجد أن المشروع المُصادق عليه من طرف مجلس الحكومة جاء ضاراً بالأسرة وبأجيال المستقبل، ولذلك وقفت الحركة ضده، وبينت مجموع ما فيه من أخطاء، وقد نظّمت العديد من التجمعات و التصريحات من طرفي شخصياً و من مناضلي الحركة للتنديد بالتعديلات الخاصة بالقانون.

حول العفو الشامل المقرر من طرف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة كيف تنظرون له؟

قبل الحديث عن العفو الشامل يجب أن نطرح فكرة المصالحة الوطنية التي زكّيناها كحزب فهي أشمل من العفو، لأنها تتناول الأزمة بكل أبعادها، أما العفو فيتناول، الأزمة في بعدها الأمني ويعد واحدة من مجموعة، والمصالحة والعفو من المواضيع التي بنينا عليها نضالنا منذ الإضراب المفتوح الذي نظمته الجبهة الإسلامية للإنقاذ في عام 1991، وطور النضال من أجل المصالحة بعد مصادرة المسار الانتخابي مطلع 1992، ثم تعمّقت الرؤية بشكل واضح فيما عُرف بالعقد الوطني، الذي تعاملت السلطة معه بالرفض، و لم يتوقف نضالنا لإقناع السلطة بالعفو، لذلك من المنطقي أن نشجع المسعى لما تبناه الرئيس الحالي بالرغم من أنه لم يحدد مضمونه، وندعوه إلى توضيحه، وفي اعتقادي ينبغي أن ينصرف العفو لكل الأطراف التي شاركت في الأزمة أو تضرّرت منها.

وهنا أشير إلى أن حركتنا مع العفو الشامل؛ لأننا كنّا من الذين نادوا إليه منذ سنوات، وأُشدد على ألاّ يستثني الإجراء أي شريحة أو فئة على حساب فئة أخرى، ففي هذا السياق أوضح أنه لا بد أن يمس العفو جميع المسلحين وأفراد الأمن والمهجرين وإعادة إدماج الموظفين المطرودين من العمل، كما أطالب بتعجيل حل ملف "المفقودين بصفة نهائية، كما ندعو إلى توقيف العمل بإجراء حالة الطوارئ، و الظرف الحالي مواتٍ لرفعه مادام الوضع الأمني قد تحسن، و آمل أن تُرفع حالة الطوارئ قبل الاستفتاء حول العفو الشامل.

كيف ترون الوضع السياسي في الجزائر اليوم؟

أرى أن هناك عوائق كثيرة وعراقيل في الممارسة السياسية الديمقراطية في الجزائر من طرف الأحزاب خاصة المعارضين، ونحن لم نصل بعد في الجزائر إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقية، والدليل على ذلك غلق القناة التلفزيونية الوحيدة في الجزائر في وجه المعارضة السياسية الجزائرية.