جوانب من رؤية حركة
الإصلاح الوطني للعمل السياسي ومنهجها في التغيير
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا
نبي بعده؛ محمدا بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واقتفى أثره واتبع هداه،
أما بعد؛
إن علماء الإسلام ودعاته اليوم، ونحن
نعيش الغربة الثانية الواردة في الحديث النبوي الشريف" بدأ الإسلام غريبا
وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء" مدعوون إلى إتباع خطى السلف الصالح في
كيفية التعامل مع هذا الدين، ولو أنهم أحسنوا فهمه والالتزام به والدعوة إليه
وعرفوا كيف يقيمون حياتهم على هداه وكيف يغزون بحقائقه الأذهان، لفاء الناس إلى
دينهم، ولكان الإسلام اليوم هو الحاكم في حياتهم بمختلف جوانبها، وهو الحكم في كل
ما يجد في حياتهم وفي حياة الدولة والمجتمع وعلاقات الأحزاب والمنظمات من قضايا،
ولكان رجاله هم من يفيئون إليهم يلتمسون منهم الحكم، ويأخذون منهم التوجيه، فسلطان
العلماء القدوة أعظم من سلطان الحكام، ولكنهم للأسف قصروا في الالتزام بالدعوة
إليه، وغابوا عن إبداء رأي الإسلام في قضايا الدولة والمجتمع وعلاقات الأحزاب
والمنظمات، فلا عجب إذا سخر كثير من الناس بالإسلام ولم يلتفتوا إلى علمائه ودعاته،
فعلى نفسها جنت براقش.
إننا نعيش زمنا ابتعدت فيه الأمة عن الدين
وخضعت فيه للقوانين الوضعية، وتحكمت في حقوقها ومصالحها نخب ليس لها نصيب في فهم
الإسلام والالتزام به، ولا تؤمن بالدعوة إليه والعمل على تسيير شؤون الدولة
وتنظيم حياة الأمة به، وبعضها يغالي فيناصب دعاة الإسلام العداء ويسخر من إمكانات
الدولة في محاربته.
لقد تخلى الحكام في حكمهم عن الإسلام،
ومارسوا عليه من صور الظلم والعدوان ما يقصر القلم عن وصفه والاحاطة به، ونعيش
زمنا تعصب فيه كثير من العلماء والدعاة وقادة الأحزاب والمنظمات المختلفة، وانتصر
فيه كل فريق لمذهبه ورأيه وفهمه وجعل ذلك مرجعا وحكما في ما أجمع عليه السلف أو في
ما رآه جمهورهم، وفهموا الدين شعارات وصدفوا عن العمل، وتركوا الاهتمام بقضايا
الأمة الجوهرية وغرقوا في مسائل فرعية لا تنفع ولا تضر، فأغرقوا أتباعهم في الفتن
والخلافات، وغالى بعضهم في الافتتان بالدنيا والاكتفاء بالشعارات والأقوال،
فأصبحنا نشهد نوعا من التفاضل بالتخلي عن نصرة الدين والدفاع الفعلي عن حقوق
الأمة، ونوعا من التسابق المحموم لنيل رضا أصحاب القرار بما يطلبون وبما لا
يطلبون، ومن ذلك إظهار الكراهية والشماتة بالإسلاميين الذين هم في خلاف حقيقي مع
السلطة، وكشف عوراتهم والإعانة على ضربهم، ونشهد نوعا من التوهين للقوة المعنوية
بالتشكيك في جدواها والضحك على أهدافنا الرسالية التي كانت في الأصل وراء ظهورنا
كتنظيمات سياسية وخيرية.
لقد بالغ البعض في التزلف للنظام حتى وصلت
الوقاحة والمهانة ببعضهم إلى درجة الاستهزاء بماضينا، افتتانا ببعض ما نالهم من
دنيا أصحاب القرار، وسخرية من علمائنا ودعاتنا وقادة مسيرتنا إعجابا بنضال رجال
النظام على ما بيننا - في حقيقة الأمر ولدى أهل الرأي والحكمة - من بون فلا يستوي
الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، وصدق الله << فإنها لا تعمى الأبصار
ولكن تعمى القلوب التي في الصدور>>.
لقد حلت مثل هذه
المظاهر المذلة لأن الكثير قد أهمل الاهتمام بالعبادات، من تلاوة القرآن وإقامة
الصلاة وصوم التطوع، ودراسة السيرة والتاريخ، والإنفاق على الفقراء والمساكين،
وتجرد من فضائل الشجاعة والكرم والأمانة والوفاء والصدق والغيرة على الدين والوطن،
والغضب للعرض، وحماية الحقيقة والنزول عندها، ورضي الكثير بالذل والمهانة والإعجاب
بصاحب القرار والخضوع له في كل شيء، والسعي في طلب مرضاته حتى فيما يهدم ديننا
ويقضي على أخوتنا ويحط من قيمتنا لديه.
لقد وقع لكثير من قوانا نوع من الاختراق
السياسي والغزو الفكري، فأصبحت عقولهم شبه مخدرة، فلا تزن أفعالها بميزان الشرع
الذي هو ميزان المصلحة الحقيقية، ولكنها تزنها بميزان الشهوات، وميزان المصالح
الوهمية أو غير المشروعة، وإلا بأي منطق يقدم من يحارب الإسلام على من يدعو إليه،
ومن يستبد بحقوق الأمة على من يدعو لاحترامها وتوفير ضمانات حمايتها، ومن يستغل
ثروة البلاد لمصالحه الشخصية والفئوية على من يدعو للعدل في توزيعها وتنمية البلاد
بها؟.
إن هذا النوع من الغزو الفكري والاستعمار
العقلي هو الطامة الكبرى التي حلت بساحتنا، وأورثتنا مظاهر الضعف التي سبقت
الإشارة إليها، ولعل من أخطرها هذا التحزب المذموم الذي ساد الفصائل الإسلامية
المختلفة.
أليس هذا التحزب
المذموم هو الذي أضعف الحمية الإسلامية لدى الأمة حتى قتلها في نفوس الكثير من
الإسلاميين، ومهد لظهور من يدعو لموالاة النظام، ويفتي بعدم جواز العمل على
تغييره، ويبدع من يفعل ذلك، ويريد أن يغرق الناس في بحر من الجمود في فهم الحياة،
وفي صحراء من خمود القوى السائقة إلى الحياة، وفي محيط من الركود في الأعمال التي
يتـَفاضل بها، الأحياء والغايات التي يتسابقون إليها.
إن اللوم الحقيقي يلقى على القيادات
الحزبية التي جعلت الحزب هدفا في ذاته، ونزلت بالعمل السياسي إلى دركات الجري وراء
المصالح والعمل على تحصيلها بكل الوسائل والطرق، وسهرت على ترويض جيل من الناس على
حب الدنيا وكراهية الموت، وزرعت في عقولهم وقلوبهم الإجلال لمن في السلطة والتقديس
لما يظهر أنه يرضيهم، وزهدتهم في النـزول إلى الشعب، والاختلاط بالناس والتفاعل
معهم لمساعدة المحتاج، ونصح الغافل، وهداية الضال، وتعليم الجاهل، ومعالجة السقيم،
ونصرة المظلوم، وتشجيع العامل، والأخذ بيد العاصي إلى التوبة، وبيد التائب إلى
الالتزام، وبيد الملتزم إلى الدعوة، وبيد الداعية إلى الانتظام والقيادة، وزين
الكثير منهم لأتباعه ظاهرة التقاذف بالتهم والأباطيل، والتسابق لنشر عورات من
اختلفوا معهم في الرأي أو الزعيم، وسكتوا عن المعاصي والأخطاء التي وقع فيها كثير
من أتباعهم ما دام هؤلاء يدينون لهم بالولاء، ولم يدفعوهم للابتعاد عن أسباب الفتن
ولا لإحياء معاني الأخوة والتكامل الوظيفي، ولم يحببوا إليهم الالتزام بدستور
الإسلام في الشورى والأخلاق، ولزوم منطق الحق والعدل كأساس في العلاقات المختلفة،
ولم يشيعوا بينهم المعاني الصحيحة للانتخابات، والسر في كل هذا؛ هو أن الكثير منهم
ليس من علماء الدين ولا من علماء الدنيا، وليس من ذوي الأهلية للقيادة والعمل
السياسي من موقع المسؤولية المسؤولة.
فالدين لم يفهموه على
أنه نصوص وقواعد ومقاصد جاء لتحقيق المصالح وتكميلها ودفع المضار والتقليل منها،
كما جاء لتحقيق أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أكبر المفسدتين باحتمال
أدناهما، ولم يفهموه على أنه عقيدة يتبع العقل فيه النقل، وعبادات كملت بكمال
الدين وجعلها الله أداة تزكية الأنفس وتقوية الهمم والارادات على فعل الخير
والثبات على الطاعة، ورفض المساومة على المبادئ، وآداب وأخلاق تحسن العلاقات
وتصححها سواء بين الله سبحانه وبين عباده أو بين العباد بعضهم مع بعض، وتشهد على
قوة الإيمان وصدق العقيدة، ومعاملات تضبط سلوك الإنسان وتوجهه، وتقيم العدل في
قطاعات الحياة المختلفة، وإنما فهموا الدين فهما معلولا على أنه مجرد عقائد
وعبادات باردة لا تنمي الخوف من الله ولا تقوي الرجاء فيه سبحانه، وشعارات خالية
من الحكمة وبعيدة عن الواقعية والتطبيق، وأفهموا أتباعهم أولوية الانصياع إلى
قرارات القيادة على النـزول عند الشرع، وواجب تقديم مصالح الحزب على القيم
الأخلاقية والسلوكية العليا في حالة التضارب والتضاد، بدعوى أن المصلحة من الدين،
وأن قوة الحزب قوة للدين.
والدنيا ليسوا من
خبرائها والفنيين في معرفة أسبابها، ولذلك لم يعملوا على كسبها بطرق علمية، ولم
يأخذوا أسباب الثراء بعزائم صادقة، ولم يضربوا في الأرض لجمع المال بكد يمين وعرق
جبين متحرين شرع الله سبحانه الذي زاوج بين أركان العقيدة وقضايا الاقتصاد
والاجتماع مثلما جاء في بعض سور القرآن ومنها << ويل للمطففين الذين إذا
اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم
مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين >>[1]،
<< أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحظ على طعام
المسكين >> [2]،
<< يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم
مؤمنين>> [3]
<< وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إلـه غيره ولا
تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط>>[4]
، إنهم لم يفعلوا ذلك وإنما طلبوها بأبخس الوسائل وأكثرها هوانا، طلبوها
بالتخلي عن المبادئ واستعمال الدعوة والعمل السياسي للتزلف للسلطة، فما حصلوا إلا
على بعض فتات الموائد فكان ذلك قمةً في الخزي والهوان.
كما أنهم ليسوا أصحاب
الأهلية الحقيقية للعمل السياسي الذي هو في جوهره سهر على حماية الدين والدعوة
إليه، وسعي في ضبط الحياة به وسياستها بأحكامه، فما يصدر من الحزب من سياسات أو
قرارات أو تصريحات، أو ما يقيمه من علاقات بالسلطة والأحزاب وبالأشخاص والهيئات،
وما يسعى إلى تحقيقه من مصالح ودفعه من مضار، أي عموما ما يصدر منه من قول أو عمل
يجب أن ينضبط بضوابط الدين ويهتدي بأحكامه، والعمل السياسي بهذا المفهوم فريضة
توجبها أحكام الإسلام، وضرورة تمليها طبيعة الحياة، وهو أشرف قدرا وأعلى منزلة
وأوثق عهدا وأعظم أجرا عند الله سبحانه من الطاعات الأخرى، << ومن
أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين>>[5]،
إلا أنهم للأسف لم يفعلوا ذلك، بل حصروا العمل السياسي في جانب علاقة العمل
بالسلطة والأحزاب، وفي إعلان المواقف مما يصدر عنها من سياسات أو قرارات أو
تصريحات، وإذكاء روح التنافس بكل الوسائل لتحقيق المصالح والمنافع، وضمان النجاح
في كسب رضا أصحاب القرار، ودعوة أفراد الحزب ورجاله للوقوف بجانب حزبهم في الحق
والباطل، ونصرة مواقفه وكسب ثقة زعيمه بكل الوسائل والطرق، وإشاعة روح الاعتقاد
بأن السياسة لا تعرف الأخلاق، وأن الموجه الوحيد للمواقف والعلاقات هي المصالح،
وما دامت هذه مربوطة بإرادة أصحاب القرار فلا مناص من السعي في كسب رضاهم والنـزول
عند إرادتهم.
الخلاف الذي تشهده
ساحة العمل اإسلامي اليوم:
إن معظم الخلاف الذي تعيشه ساحة العمل الإسلامي في
الجزائر وغيرها؛ خلاف لا ينتصر به حق ولا يزهق به باطل، ولا تتصحح به عقيدة ولا
تتحسن به عبادة، ولا يستقيم به سلوك، ولا تتقوى به إرادة، ولا يتطور به عمل، ولا
يزداد به عطاء، ولا يتراص به صف، ولا تتحد به كلمة، ولا تنهض به همة، ولا تستيقظ
معه نخوة ولا كرامة، ولا ينتج فيه فكرٌ يزيد من تصحيح فهم أو تعميق وعي أو ترشيد
سير؛ لأنه ليس من الخلاف المحمود الذي يرتكز على دليل من الكتاب والسنة أو
الإجماع، ولا من الخلاف الجائز الذي يقع بسبب الترجيح بين المصالح والموازنة بين
المضار، ولا هو صادر عن إرادة مستقيمة وتقدير ذاتي وموضوعي متجرد من تأثيرات أصحاب
النفوذ والثراء.
إن معظم هذا النوع من
الخلاف موحى به من طرف أصحاب النفوذ أو الثراء سواء كانوا في موقع المسؤولية أو
محيطها القريب منها، ولذلك كان دائما ضارا بالدين وبحقوق الأمة وثروات البلاد، وقد
انتشرت بسببه الكثير من الأمراض الفكرية واللسانية والقلبية، وتفنن أعداء الإسلام
والعروبة في استغلال ذلك في إلحاق صور من الضرر المعنوي والمادي بالمشروع الإسلامي
وحامليه.
إن البحث في أسباب
هذا الخضوع لإرادة أصحاب النفوذ والثراء تقودنا إلى الوقوف على مقدار ما استقر في
قلوب الكثير من قيادات التنظيمات من طمع أذل أعناقهم، ومن حرص على الوظيفة ملك
عليهم أمرهم، فنحن وللأسف نعيش زمنا تحكمت فيه الأنظمة والحكومات في أرزاق الناس
ومصائرهم، وتفنن فيه أصحاب القرار في السيطرة على ثروات البلاد وخيراتها واستغلوها
أبشع استغلال في تثبيت وجودهم، وقد ازداد احتكارهم للثروة وتوظيفهم إياها في تعزيز
سلطتهم بعد الانفتاح السياسي وبعدما ساروا في الانفتاح الاقتصادي وتحرير الدولة من
وظيفتها الاجتماعية، كما زاد في الخضوع لإرادة أصحاب القرار؛ قلة البضاعة في معرفة
أحكام الدين ومقاصده والجهل بقواعد الإنكار وضعف الوازع الديني في النفوس.
كل هذه العوامل جعلت
من التيار الإسلامي ساحة تحمل القابلية للافتتان والفوضى، فكان أن أصبحت بالفعل
كذلك وخاصة في عشرية التسعينيات.
ولسد هذا الفراغ
وإصلاح هذا الخلل قامت حركة الإصلاح الوطني.
إن هذه الحركة وكما
يدل عليها اسمها حركة تأسست لإصلاح أحوال الأمة وخدمة مصالحها وتحقيق تطلعاتها،
وأول ما يجب عليها أن تفعله وتحرص على القيام به هو إصلاح دين الأمة وتصحيح فهم
المواطنين له، ولما لهم من حقوق في الحكم وحريات في السياسة والمواطنة.
فبداية العمل الصحيح
هو الفهم الصحيح، وبداية العمل الصالح هو العلم النافع، ولا يخفى على أحد ما شاب
عقيدة الناس ومبادئهم وأخلاقهم من ضلالات ومن بدع وفساد، وما لبس حقوقهم وحرياتهم
من أخطاء في الفهم والممارسة، لذا يجب علينا أن نسهر على توضيح حقائق الإسلام
فنعلم الجاهل بها، ونعين العامل لها، ونهدي الضال ونساعد المحتاج، وننصح الغافل،
وننبه العاصي ونأخذ بيده إلى التوبة، وبيد التائب إلى الالتزام وبيد الملتزم إلى
الدعوة والانتظام، وبيد الداعية والمنتظم إلى القيادة، كما يجب علينا أن نسهر على
تعريف الأمة بحقوقها وواجباتها السياسية والمدنية، ونبصرها بالطريق الذي تسلكه في
أداء الواجبات وتحصيل الحقوق، وما يجب أن تراعيه من مبادئ وأخلاق حتى يظل عملها
مشروعا فتستحق نصر الله سبحانه وتأييده.
التعريف بحركة اإصلاح
إن حركة الإصلاح
الوطني هي وارثة نضال حركاتنا السابقة بدءا بالتنظيم الذي كان يعرف باسم جماعة جاب
الله الذي امتد من سنة 1974م- إلى 1987م مرورا بتنظيم الجماعة الإسلامية سنة 87-
1988م، وجمعية النهضة للإصلاح الثقافي والاجتماعي 88- 1991م، ثم حركة النهضة
الإسلامية 90 -1997م، وحركة النهضة 97-1998م.
إنها وارثة نضال تلك
الحركات وروافدها المختلفة التي كانت أساسا للصحوة الإسلامية التي عرفتها البلاد،
وما صاحبها من حركة علمية وأعمال خيرية ونقابية غرست في القلوب حب الله ورسوله،
والتفاني في خدمة الدين والوطن، ورفع العدوان الواقع على حقوق الأمة والأفراد،
وبذل الجهد لتوجيه الأمة توجيها صحيحا يصحح عقيدتها وعباداتها ويحسن أخلاقها،
ويصحح نظرتها للدين والحياة، ويزيد من وعيها بحقوقها وواجباتها، وبالطريق الذي
تسلكه في أداء الواجبات والمطالبة بالحقوق، وعلى حركة الإصلاح اليوم واجبات مضاعفة
نحو حقوق الأمة ومقومات شخصيتها، فهي مدعوة لتواصل النضال من أجل تحقيق العفو
العام الشامل الذي يجمع الشمل المشتت، ويعيد الأمن الضائع، ويوفر الثقة المفقودة،
ويسمح بالتعاون على بناء الوطن في تنافس مشروع يجد المواطن نفسه محفوظ الدين
والنفس، ومصون العرض والمال، يشعر أن له دولة مهابة الجانب تسهر على حمايته ورعاية
مصالحه دون حيف ولا تفريط، وهي مدعوة لتواصل النضال من أجل حفظ وصون مقومات شخصيته
التي هي مظاهر سيادة الدولة واستقلالها وعوامل وحدة الأمة والتئام أحوالها، وقواعد
صلاح الدنيا واستقامتها، وأجدى الأمور نفعا في انتظامها وسلامتها.
فلا سبيل لإحياء معاني العزة والكرامة لدى
الأمة، وتحسيسها بمسؤولياتها الرسالية نحو نفسها ووطنها، ونحو أتباع دينها وبني
عمومتها من العرب والمسلمين، ونحو الإنسانية قاطبة إلا سبيل العودة بالأمة إلى
ذاتها؛ إلى دينها أولا، وإلى لغتها ثانيا، وإلى تاريخها وموروثها الحضاري والثقافي
ثالثا، وإلى تمكينها من ممارسة حقها في اختيار حكامها وممثليها اختيارا حرا
قانونيا ونزيها رابعا، وإلى توفير شروط احترام قواعد الديمقراطية وتوفير ضمانات
حماية الحريات الفردية والجماعية من التعسفات والتجاوزات خامسا، وأن تبذل اليوم كل
ما في وسعها لطي صفحة الآلام وتحقيق الأمن الشامل للأفراد والمؤسسات سادسا، فالأمن
والاستقرار بالنسبة للأمة والأفراد والدولة والمؤسسات كالغذاء بالنسبة للحياة، فهل
يمكن نمو الأبدان بدون غذاء، أو تكون حياة بدون هواء، كذلك لا يكون للأمة والأفراد
وجود ولا للدولة والمؤسسات عطاء ولا يكون هناك تقدم ولا ازدهار بدون أمن شامل
للأمة والأفراد واستقرار للدولة والمؤسسات.
إن منـزلة حركة
الإصلاح وقيمتها عند الأمة – على حداثة عهدها بهذا الاسم- منـزلة وقيمة رفيعة
وعالية أكدتها عملية جمع التوقيعات للترشح للرئاسيات، وتجمعات الحملات الانتخابية،
ففي كل بلدية نزلنا بها وبدون سابق إخبار أو إعداد - أحيانا – كانت الجموع الحاشدة
تنسينا متاعب السفر ومشقة الطريق، وتزيد شعورنا عمقا بثقل المسؤولية الملقاة على
عاتقنا نحو أمتنا، وقد أعطت البـرهان الساطع على أن الحركة قد حازت ثقة الأمة،
وأضحت أملها في التغيير السلمي والإصلاح الاجتماعي نتائج الانتخابات التشريعية
والمحلية لعام 2002 حيث حازت فيها المرتبة الثانية بعد التزوير الذي قامت به جهات
نافذة في الإدارة المدنية والعسكرية حرمت الحركة من الفوز بالمرتبة الأولى، وبذلك
صار لزاما على الحركة أن تتحرك في الساحة الجزائرية بصفتها القوة السياسية الأولى
شعبيا والثانية رسميا.
ولأجل تأدية واجبات
هذه المسؤولية كان على رجال الإصلاح التسلح بما يلي:
1-
جعل الإسلام مرجعيتنا الأولى والأعلى ومصدر جميع
التزاماتنا دون تعصب لرأي أو اجتهاد، ولا مصادرة لحق الغير في الاجتهاد والنظر
مادام ذلك ليس خارجا عن دائرة الإسلام الكبرى ولا متعارضا مع نص من نصوصه ومبدأ من
مبادئه أو مقصد من مقاصده؛ فكل المسلمين بغض النظر عن مراكزهم الاجتماعية ومواقعهم
السياسية يعتقدون أن الإسلام هو مصدر مالهم من حقوق وما عليهم من واجبات، ولذلك
وجب السعي للتعرف عليه وحسن الالتزام به والدعوة إليه، كما وجب الاعتقاد بأن
الالتزامات المتبادلة بين المسؤولين وغيرهم هي نوع من الالتزام بالإسلام الذي هو
مصدر شرعية تلك الالتزامات أو الحقوق المتبادلة إلا إذا تعارضت مع نص من نصوصه أو
مبدأ من مبادئه أو مقصد من مقاصده، فلا طاعة لمخلوق عندئذ في معصية الخالق، وهكذا
أيضا سلوكات التحايل والمكر، أو الضغط والإكراه التي كثيرا ما تلجأ إليها الأطراف
باسم هيبة التنظيم أو مكانة القيادة، ويعيش الكل في تنافس مشروع من أجل نيل مرضاة
الله بخدمة الدين أو الأمة أو الوطن أو الحركة أو ما إلى ذلك من مناحي الخير
الكثيرة التي هي ميدان عمل حركة الإصلاح الوطني، فلا يوجد في حركتنا سيد ولا مسود،
ولا تابع ولا متبوع لأن الكل تابع وخاضع لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم،
ومتعاون على تنفيذه بحسب ما آتاه الله من طاقة وقدرة.
2-
الالتزام بالشورى: إننا نمارس أعمالنا وصلاحياتنا
ونؤدي واجباتنا في إطار الشورى الملزمة لأنها الأصل في التسيير والتنظيم، فمثلما
يجب تمكين المناضلين ذكورا وإناثا من ممارسة حقهم في اختيار مسؤوليهم يجب أيضا وضع
المؤسسات الشوروية لتحديد خطى السير في مختلف المجالات وفي جميع المستويات، ولا
يقبل مطلقا تعطيل الشورى أو إهمالها أو التآمر عليها، أو التحايل على قراراتها
بالتعطيل أو التسويف لأي غرض ما دامت شروط أعمال الشورى قد تم استيفاؤها
واحترامها.
3-
الرجال الأكفاء الصادقون في انتمائهم ونضالهم:
فأول ما يجب على أهل رجال حركة الإصلاح الوطني هو إصلاح أنفسهم بالتربية والتعليم،
ثم الاشتغال بإصلاح غيرهم حتى يكون لعملهم تأثيره ويقوى على تحقيق مقصوده، فلا
يصلح غيره من لم يصلح نفسه.
فالمشتغل بالسياسة
عامل على إقناع الناس بالالتفاف حوله وحول برنامجه والمساعدة على الوصول إلى
السلطة من أجل تطبيقه، وعليه أن يرتقي بنفسه فهما للبرنامج والتزاما به ودفاعا
عنه، وبعلاقته بإخوانه ثقة ومحبة وتعاونا على الطاعة وتنافسا في الخير إلى مستوى
المشروع الذي يحمل، والبرنامج الذي من أجله يناضل، وأي خلل في هذا سيكون سببا
للضعف والوهن والطعن في مصداقية الحركة، فيفوت أهلها نصر الله في الدنيا والفلاح
في الآخرة، وهذا الذي أعنيه بالرجال الأكفاء، والحركة والحمد لله تتوفر على جمع
كبير من هؤلاء وهم أهل للقيام بواجب الإصلاح شريطة كما قلت، أن يزكوا أنفسهم
ويتحابوا ويتعاونوا ويسلموا من داء المنافسة على الرياسة، والتكالب على السلطة،
والعجلة في جني الثمرة.
4-
الاجتهاد في حسن التعرف على الناس، والامتزاج بهم،
والاحتكاك بفئاتهم المختلفة، والتحبب إليهم، والاستماع لانشغالاتهم، ومشاركتهم في
شؤونهم الاجتماعية، وفي الصالح من عوائدهم، والدخول إلى مساجدهم وشهود صلواتهم،
وارتياد أماكن تواجدهم ثم الترفق بهم في تعريفهم بالحركة ورجالها، أو تعليمهم
حقائق دينهم، أو توجيههم لما فيه خيرهم، أو نصحهم بما فيه مصلحتهم أو مساعدة
المحتاج منهم، فخيركم كما جاء في الحديث من خالط الناس وصبر على أذاهم.
إن الامتزاج بالشعب
والتخندق معه هو الأصل الذي يقرره الإسلام وتؤكده قيمه الحقيقية، فجميع ما من الله
به على الإنسان من مال وجاه وسلطان وغيرها من متع الحياة، إنما هي وسائل لغايات
سامية من بينها خدمة الشعب وتعليمه والذود عن كرامته، وهذا الأصل في الواقع هو
الأمر نفسه الذي تقرره الديمقراطية التعددية- إذا لم يكن لذاته- فلكونه الوسيلة
الأولى التي توصل أصحابها إلى السلطة، ولذلك فمن الواجب تقديم العناية بالشعب
والاهتمام بمصالحه والذود عن قضاياه دون الاهتمام باسترضاء السلطة والسعي في كسب
ودها ورضاها.
5-
الامكانات: فبناء الحزب والسهر على إصلاح أحوال
الأمة والوطن يحتاج إلى إمكانيات ونفقات سخية يبذلها الكرماء من أبناء هذه الأمة
المعطاءة، وإلا تعطلت المسيرة وخاب الأمل، فنحن في بداية مرحلة جديدة ووسط تحديات
كبيرة وخطيرة، وليس لنا من عون بعد الله سبحانه إلا تجند أهل الحركة وأنصارها
للإنفاق عليها وعلى مشاريعها في الإعداد والبناء والإصلاح، فهم العدد والعدة وهم
العون والمدد.
6-
التمايز والاستقلال: وأعني به أن تكون الحركة
متمايزة عن غيرها، ومستقلة في قرارها عن أي تأثير خارجي، وبعيدة عن أي توسط حكومي
أيا كان لونه وهدفه، عاقدة العزم على تثبيت وجودها الذاتي في الساحة كرقم سياسي
أصيل يؤثر ولا يتأثر، ويرفض المساومة على المبادئ ويجعل السياسة مصالح يحكمها
ويحميها الحق.
7-
الوضوح في الرؤية السياسية والتنظيمية: فالحزب في
حقيقته برنامج وسياسات ومواقف آثر أصحابه أن يقنعوا ببرنامجهم ويصلوا إلى تحقيق
أهدافهم عن طريق العمل السلمي الرسمي والعلني في حدود الشرعية الدستورية
والمشروعية القانونية، ومثلما يتعين علينا الاهتمام بالميدان الحزبي والحرص على
تحسين علاقة الحزب بالسلطة والأحزاب الأخرى يتعين علينا كذلك الاهتمام بالميادين
الثقافية والاجتماعية والتربوية، لتكون الوعاء الفكري لتحركنا الحزبي نحو تحقيق
أهدافنا في الإصلاح والبناء، وكلما كانت نضالاتنا تلك مستمدة من العلم الصحيح
بالشرع والفهم الدقيق للواقع والقصد الخالص لخدمة الأمة، وكانت البنية المؤسساتية
أو التنظيمية متماسكة الأجزاء متكاملة الحلقات قادرة على استيعاب الطاقات الخيرة
من أبناء التنظيم وأتباع الحزب، وعلى توظيفها في خدمة الأهداف المتفق عليها، كلما
كان ذلك أدعى لضمان النجاح في القيام بمهمة الإصلاح.
8-
قبول الاختلاف: إن الاختلاف في الرأي والتعدد في
البنى المؤسساتية القادرة على تأطير الخلاف بما يجعله اختلاف تنوع وتكامل، تشكل
أهم أدوات النجاح في تحقيق أهداف برامجنا في البناء التنظيمي والعمل الشعبي
والمشاركة السياسية، وإننا لذلك أحوج الناس للقضاء على مادة الفتنة، وإلى إشاعة
أجواء الثقة ونشر روح الوفاق والتعاون بين الفئات العاملة مع بعضها بعضا، وأول
خطوة في ذلك هي الإعراض عن ظاهرة التقاذف بالتهم والأباطيل، والابتعاد عن نشر
العورات وإشاعة المنكرات التي ما فتئ العاملون في الحقل السياسي يلجؤون إليها عند
أول خصومة أو خلاف، فتتمكن العداوة والبغضاء في القلوب ويقع التشرذم والانقسام،
وتضعف مصداقية الرجال، وتصيـر الدعوة أثرا بعد عين، بعد أن كانت أمل الأمة في رفع
الظلم الواقع عليها والنهوض بها نحو الشرعية والأمن والاستقرار ونحو التقدم
والازدهار والرفاهية.
9-
الابتعاد عن أسباب
الفتن: إن ما أصابنا من ويلات وما لحقنا من هزائم، وما حل بنا
من مصائب ومن فتن واضطرابات كان بسبب المعاصي والأخطاء، والتسرع في جني الثمرة،
"فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه"..والتاريخ يشهد أنه ما تماسك
المسلمون واستمسكوا بحبل الله سبحانه وضَحوا بأموالهم وأنفسهم، وثبتوا على مبادئهم
وأتقنوا الأخذ بالأسباب، وأقاموا الشريعة في حياتهم وعلاقاتهم، إلا عزوا وانتصروا
ووقاهم الله شر أعدائهم، وما شك المسلمون في بعضهم بعضا، وبخلوا على دعوتهم بالمال
والنفس والجهد، وسعوا فيما بينهم بالغيبة والنميمة والشقاق، ووثقوا في أعدائهم أو
خصومهم واستمعوا إلى مشورتهم، واتخذوا من بعضهم بطانة وأصدقاء وخبراء ومستشارين،
وتنازلوا عن مبادئهم كسبا لودهم أو اتقاء لشرهم، أو طلبا للدنيا التي عندهم إلا
كتب الله عليهم الهزيمة ومكن لأعدائهم فيهم.
10-
إحياء معاني الأخوة
والتكامل الوظيفي: إن أعظم واجب ملقى على عاتقنا اليوم وأعظم إعداد
يتعين علينا القيام به، ونحن نتطلع إلى إعادة هيكلة التيار الإسلامي، ونخوض معركة
إعادة البناء التنظيمي وتحقيق الانتشار الشعبي، لتأسيس حركة أنظف وأوعى وأقدر على
المساهمة في تنمية البلاد وحل مشاكل الشعب، هو واجب تمتين التواصل بين مختلف
قيادات الحركة في جميع مستويات التنظيم وفي مختلف هياكله وفروعه، ومعالجة كل فتنة
قد تدب – لا سمح الله – في ساحتنا بإحياء معاني الأخوة، ومفاهيم التكامل الوظيفي،
وتأسيس النظرة إلى الاختلاف في الرأي على أنه تنوع وتخصص يفضي إلى ثراء فكر الحركة
وغناء ساحة العمل فيها، وليس تعدد تنازع وتضاد، والاجتهاد في زرع روح التناصح
والتواصي بالحق والخير بيننا مما يمهد الطريق لبلورة مواضيع الاتفاق، لتكون دائما
نقاط الانطلاق وركائز الوفاق والاتفاق، والتغافر والتسامح، فيما وراء ذلك من موارد
الاجتهاد والنظر، وبذل الجهد لإحياء أدب الخلاف وفقه الموازنة بين المصالح
والمضار.
11-
التقيد بدستور
الإسلام في الأخلاق: إن التقيد بدستور الإسلام في الأخلاق عند الاتفاق
والاختلاف والاحتكام إليه في القول والعمل هو شرط صحة التحزب فيجب الانتصار لما هو
أقوى حجة أو أليق بمقاصد الشريعة أو أقدر على تحقيق المصالح ودفع المضار، مع
التزام قواعد الموضوعية والتجرد للحق وبعيدا عن كل بغي واستطالة واستباحة لحرمات
الآخرين عند التنازع والخلاف لأنه سلوك يطعن في مصداقية وشرعية العمل الحزبي نفسه
لأنه مخالف لأحكام الدين الصريحة.
12-
الفهم الصحيح لحقيقة
الانتخابات في منظومتنا الفكرية: إن طريق الوصول إلى
السلطة هي الانتخابات، وقد تعود الناس نسيان أخلاقهم وعاداتهم الحميدة في
الاستحقاقات السياسية، وقد شكل هذا مدخلا خطيرا لشتى صور الفساد واستغل أسوأ
استغلال في زرع الفتن وشراء الذمم، ولابد من سد هذا الباب بما يجعل الانتخابات
وسيلة لإصلاح أحوال الأمة وحماية حقوق وحريات الأفراد والجماعات، وتعميق القناعة
بأننا لا نطلب المسؤولية لأنفسنا وأشخاصنا، ولكن نطلبها لحزبنا وقياداتنا
لاعتقادنا أنهم الأقدر على تحقيق آمال الأمة وتطلعاتها المشروعة، وما قلناه في
الانتخابات العامة المتعلقة بالأمة ومؤسساتها الدستورية نقوله ونؤكده في
الانتخابات الخاصة بالحزب، لأن المسؤولية في منظومتنا الفكرية تقوم على موازين
وقيم إيمانية الجميع يتعارف عليها ويلتزم بها، كالكفاءة والخبرة والصدق والشجاعة
والكرم والأمانة، والالتزام بالعبادات والبلاء الحسن في الدعوة والحركة، والفهم
الصحيح لرؤى الحركة وتصوراتها السياسية والتنظيمية، وهذه الموازين والقيم يحكم
عليها واقع حياة كل أخ لدى جميع المناضلين والأنصار والمحبين، ومن ثمة فلا نحتاج
إلى الكولسة والتكتل الذي لا يعود على الحركة إلا بالسوء والخسران.
13-
لزوم منطق الحق والعدل
كأساس في علاقاتنا المختلفة: وذلك مع الهيئات والمنظمات والشخصيات سواء كانت
علاقات رسمية أو شعبية، ومراعاة توجيه الإسلام من اعتبار المآلات، والمحافظة على
الوحدة، وتحقيق التكامل بين جهود جميع تيارات وإطارات الحركة في جميع مستويات
التنظيم.
إن فقه هذه القواعد
وحسن التقيد بها وجعلها ضوابط تضبط سيرنا وتهدي مسيرتنا هو الذي يعصم الله به
حركتنا من الانحراف، ويقي صفنا من التشرذم، وينير سبيلنا إلى ما نتطلع إليه من
نجاحات مختلفة في البناء التنظيمي والانتشار الشعبي والوصول إلى السلطة.
إننا منذ التأسيس
الأول والخطوة الأولى في طريق الدعوة والعمل السياسي قررنا أن نكون في طرف الأمة
وجعلنا من أنفسنا حماة لها بما لنا من حق في الدين والوطن وما علينا من واجبات في
الدفاع عنهما، وقد كانت جميع سياساتنا ومواقفنا خادمة للشعب والوطن ومنتصرة
لقضياهما، إننا نعد الصراع الدائر بيننا في الجزائر صراعا بين الحق وبين المصلحة،
والمصيبة التي عقدت الأمر أكثر هي أن صاحب الحق لا يتنازل ومدعي المصلحة لا يسلم،
ولذلك تعقد الخلاف وأخذ مناحي خطيرة، وهو مرشح ليستمر في التعقد لأن صاحب الحق من
ورائه الشعب وهو صاحب الأغلبية العددية، ومدعي المصلحة يملك من أسباب القوة
المادية وعوامل التأثير وطواقم أهل المنافع والمطامع ما لا يملكه صاحب الحق، وكل
طرف متمسك بمواقفه ومنتصر لسياساته، ولذلك لا عاصم من شر هذا التباين في الرأي
والمواقف إلا بأن يوقن الجميع بأن الجزائر في حاجة إلى كل أبنائها ليساهموا في
بنائها وأن ذلك إنما يتم من خلال احترام الجميع لمقومات الشخصية الوطنية ومبادئ
دولة القانون وقواعد الممارسة السياسية والتداول السلمي على الحكم، فإن تم إقرار
ذلك في الوثائق وتم احترامه في الميدان تمهد الطريق للخروج من الأزمة.
إن حركة الإصلاح لا
تفر من مسؤولياتها بل تتحملها بكل افتخار واعتزاز، ولا تقوم بأعمالها في الليل بل
تؤديها في وضح النهار، ولذلك تقول رأيها بوضوح وصراحة يفهمه الإنسان العيي كما
يفهمه الإنسان الذكي، ويدركه الجاهل كما يعلمه العالم، لأنها حركة تأسست لتدافع عن
حقوق الشعب ومقومات شخصيته، واختارت لنفسها خط إخضاع المصالح للمبادئ، واعتبار
السياسة مصالح يفرضها ويحميها الحق، ولأنها ترفض الازدواجية في السياسة والخطاب،
فهي قد اختارت لنفسها المعنى الشريف للعمل السياسي تدعو إليه وتدافع عنه بكل
الوسائل المشروعة حتى تصحح قواعده في النفوس ويتحسن وعي الأمة بحقوقها وواجباتها،
وتزداد ثقتها في الطريق الذي تسلكه في استرجاع حقوقها المعتدى عليها، فإن وقفت
أمامنا عقبات وعراقيل ازداد إصرارنا على مطالبنا بوجوب احترام إرادة الشعب وتوفير
ضمانات حماية اختياره وازداد ثباتنا على مواقفنا مع اختيار الفرص المناسبة لتجديد
مطالبنا ومحاولة الاستفادة من كل ايجابية تصدر عن أي طرف كان تخدم هدفا من أهدافنا
أو قضية من قضايا نضالنا.
وقد استطاع إخواننا
في المجلس الشعبي الوطني، وفي المجالس البلدية والولائية التابعة للحركة أن يقدموا
نموذجا واعدا ومنيرا في الحفاظ على المال العام وحسن تنميته وتوظيفه في خدمة
الصالح العام، وسيكون لهذا النجاح أثره العظيم في تقوية حظوظ الحركة في النجاح،
ورهانها اليوم هو العمل على امتلاك موازين القوة المختلفة التي يتطلبها التغيير
بالفعل السياسي السلمي والعلني لضمان النجاح في افتكاك الفوز والمحافظة عليه.
وضوح الرؤية
إن على العاملين في
الحقل الإسلامي بالمنهج السياسي السلمي الرسمي والعلني أن يدركوا أنهم وجدوا
لإحياء مقومات شخصية الأمة التي ماتت أو ضعفت من دين ولغة وأخلاق وتاريخ وتقاليد،
وتصحيح قواعدها في النفوس، والنضال من أجل رفع العدوان الواقع عليها من طرف قوى
التغريب والعلمنة بالتعطيل والتحريف، والمطالبة بحقوق الأمة المعتدى عليها أو
الضائعة بمنطق وحجة وإيمان، ثم العمل على كسب ثقة الشعب وتقوية إيمانه بتلك
المطالب، والسهر على استيعاب الخيرين من أبنائه، وتنظيمهم وتوظيف طاقاتهم في
النضال من أجل تحقيق المطالب التي من أجلها كان التنظيم وكانت الحركة، ثم الإصرار
على المطالبة باحترام مقومات شخصية الأمة وحقوقها وخاصة حقها في الاختيار
والمحاسبة والمراقبة والعزل وتوفير ضمانات حماية ذلك، ثم محاولة التنسيق مع القوى
السياسية التي تشاركهم الرأي أو بعضه، ثم الثبات على تلك المطالب والتصلب والإصرار
في استماتة وتضحية مع إختيار الفرص المناسبة لكل حالة، ومحاولة الاستفادة من كل
ايجابية تتوفر لهم، تصدر من أي طرف كان تخدم هدفا من أهدافهم أو قضية من قضايا
نضالهم.
إن هذه هي خلاصة
الاستراتيجية السياسية الراشدة والواعدة؛ وضوح في الهدف، ووضوح في خط السير نحو
الهدف، ووضوح في مراحل السير نحو الهدف، ووضوح في الإمكانيات الضرورية لخدمة
الهدف، ووضوح في المبادئ التي تحكم السيـر نحو الهدف، ومعرفة بالواقع العام الذي
عليه الأمة، والواقع الخاص بالنظام وحلفائه من القوى السياسية، ومعرفة بالواقع
السياسي وما فيه من قوى تتصارع وتتنافس على الحكم، وقدرة على الاستفادة من الفرص
التي قد تتوفر وحسن توظيفها في خدمة الأهداف، ومعرفة بالطاقات الخيرة واجتهادا في
حسن استيعابها وحسن الاستفادة منها في التمكين للمشروع، ثم معرفة بالإمكانات
الأخرى التي يمكن الحصول عليها بالسعي والعمل الجاد والحكيم، ثم توظيف كل ذلك في
تحسين المركز القانوني والموقع السياسي للقائمين بالتغيير ثم مواصلة السير من موقع
أفضل وبإمكانات أحسن بنفس الاستراتيجية ونفس الحكمة في تحديد الخطوات إلى أن يقع
الوصول بإذن الله.
إن وضوح كل هذه
الجوانب الضرورية لسلامة السيـر وقصديّته هو الذي يضفي على العمل السياسي
المصداقية، ويجعله طاعة وقربى ينال صاحبه به عظيم الأجر وحسن الذكر ويفوز بثمرة
النصر، وإن طال الزمن.
التحول إلى أذات
لإصلاح المجتمع
إن التغيير بالفعل
السياسي السلمي الرسمي والعلني يتيح فرصا واسعة لأصحابه ليخرجوا من ظاهرة الإصلاح
الإسلامي المفارق للواقع، ومن ظاهرة الانكفاء على الذات والاهتمام بإصلاحها دون
الالتفات إلى الغير والاهتمام بشؤونه، وظاهرة غلق الدعوة وحصر اهتماماتها في
إصلاحات جزئية وفردية ومحدودة، وتدابير سرية منغلقة على أصحابها غير متسعة لغيرهم،
ويخرجوا من الرؤية التربوية التي تتخذ الوسائل الخاصة والمناسبة لإصلاح الفرد
والمجموعة الصغيرة ويعزل أعضاء الجماعة العاملة عن التفاعل مع المجتمع ويمنع
تأثيرها فيه هروبا من التأثر به أو خوفا من أن ينالهم فساده وكيده وإنحرافاته، وهي
مجموع ما يميز العمل السري والعهد الذي تكون الدعوة فيه جماعة صغيرة غريبة في
عددها ووسائلها، تكتفي بشأنها ولا تهتم بشؤون المجتمع إلا ما كان في صورة أماني
تراود أفرادها.
إن التغيير بالفعل
السياسي السلمي الرسمي والعلني يتيح فرصا واسعة للإصلاح والتأثير في المجتمع أوسع
بكثير من الاهتمامات المسيطرة على عقول سالكي هذا الطريق الذين سيطرت عليهم هموم
الإصلاح الايجابي وآمنوا بالاهتمام بشؤون الغير، وأدركوا أن واجبات دينهم ومصلحة
دعوتهم وخير أمتهم ووطنهم يكمن في التعاطي الايجابي مع المجتمع والتحول إلى حركة
فاعلة داخله ذات مشروع فاعل ومؤثر تقوم حاجة المجتمع إليه، وأن الإصلاح التربوي
والعلمي لا يقتصر على الأفراد والمجموعات الصغيرة وإنما يجب أن يمتد إلى قطاعات
المجتمع الواسع.
وأن العمل السياسي يتيح الفرص أمام أصحابه
ليمتلكوا الوسائل المناسبة لإصلاح المجتمع بما يفتحه أمامهم من فرص التواصل مع
الناس من خلال النشاطات العامة و التجمعات والمسيرات، وبما يهيئه لهم من فرص التواجد
داخل مؤسسات الدولة ومجالسها المنتخبة للمساهمة الميدانية في تسيير شؤون الأمة،
وكل هذه مسائل إيجابية، ولكن قرب العهد بمرحلة السير السري، أو غلبة عقلية المنافع
المادية الشخصية أو الحزبية أو الفئوية على منطق المبادئ، وغلبة المصالح الخاصة
على العامة، والجزئية على الكلية، والظنية على اليقينية، وغلبة فكرة الإصلاح
الجزئي على الإصلاح الشامل، جعل أكثر الأفراد حماسة للعمل يغلبون الرؤية الجزئية
للإصلاح في هذا القطاع أو ذاك من قطاعات المجتمع، وليس بمثل هذه الرؤية يقع
الانتصار.
إن الإسلام بمعناه
الشامل، والديمقراطية بآلياتها الواضحة المحددة، ثورة في الإصلاح الاجتماعي الواسع
توجب على العاملين في الحقل السياسي أن يمتهنوا الإصلاح الديني والاجتماعي الواسع،
وأن يحيطوا علما وتجربة بأحوال المجتمع وحاجات الإصلاح فيه تتجاوز ذاتيتهم نحو
رسالتهم، وأن يحسنوا الإلمام بطرق معالجة الواقع الاجتماعي، وأن يمتلكوا البديل
الشامل والمتكامل الذي يعالج قطاعات المجتمع المختلفة معالجة صحيحة تقوى على رعاية
الصالح العام، وحفظ حقوق وحريات المواطنين، وتستجيب لانشغالاتهم المشروعة في
الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي وغيرها حتى يستقر في قناعة الأمة
أنهم هم البديل الصحيح والسليم والضروري لحياتهم ووطنهم ودولتهم، فيتحولون في نظر
الأمة إلى أدوات لازمة في الإصلاح، لا تستغني عنهم ولا تقوم لها قائمة بدونهم، وفي
هذه الحال يصبح العاملون في الحقل السياسي زعماء وقادة جاؤوا في نظر الأمة لإنقاذها،
فتضع ثقتها فيهم، وتلتف حولهم وتمدهم بما يحتاجون إليه من وسائل وامكانات لإنجاز
الإصلاح وتطبيق برا مجه من موقع القرار والسلطة.
إن الوصول إلى هذا
المستوى ليس بالأمر العسير ولا المستحيل، إنه ممكن شريطة أن تحصل القناعة به إلى
درجة اليقين، ويقع الاجتهاد في العمل من أجل أن تتحول الجماعة العاملة من كونها
طاهرة وصالحة في ذاتها إلى كونها أداة تطهير وإصلاح، وأن تتحول إهتماماتها من
الذات إلى المجتمع، ومن إرادة الأخذ والاستفادة إلى إرادة العطاء والتضحية، وأن
تفتح هياكلها التنظيمية إلى كل أبناء الأمة القابلين بمشروعها والراغبين في النضال
من أجل التمكين له، وأن تجعل مؤسساتها الوظيفية والقيادية أطرا لاستيعاب وتوظيف
الصادقين في نضالهم على أساس معيار الكفاءة والعطاء والولاء للمشروع وخطه السياسي
المتبنى في التغيير، وأن توظف نفسها وكل هياكلها ومؤسساتها وجميع إطاراتها في أي موقع
من مواقع المسؤولية كانوا لأغراض الإصلاح، وأن ذلك يقتضي بالضرورة تغييرا جوهريا
وواسعا في مفاهيم التربية والتنظيم والحركة والعمل، تتجاوز ما كان سائدا من أن
التربية أداة موجهة لإصلاح النفس والمجموعات الصغيرة، وأن التنظيم ملك لأصحابه،
والحركة والعمل مقصورة على قادة التنظيم فإذا توسع شمل رجاله الأساسيين، وهذه
مفاهيم عفا عنها الزمن ويجب أن يتجاوزها العاملون في الحقل السياسي الإسلامي، بحيث
تصبح التربية أداة لإصلاح المجتمع، والتنظيم ملكا للمجتمع عامة والمؤمنين بمشروعه
خاصة، والحركة والعمل مفتوحة على كل الطاقات المهيكلة أولا، والمتعاطفة ثانيا.
ومثل هذه المفاهيم تدعو بالضرورة إلى تغيير في
مناهج التربية والتنظيم والحركة والعمل لتكون أفعل وأكمل بلاء و تأثيرا في
المجتمع، لأن العمل السياسي بطبيعته يدعو للانفتاح الواسع على المجتمع وجعل مهمة
أصحابه العمل على كسب ثقة الناس، وهدفهم الوصول إلى السلطة، فهو لذلك أداة في
الإصلاح قوية، وهو بالنسبة لأصحاب المشروع الإسلامي أداة في الإصلاح قوية وشاملة
شمول الدين لجميع جوانب الحياة، و لذلك قلت أن الواجب على سالكي هذا الطريق في
التغيير أن يخرجوا بأنفسهم من مرحلة الأمل في الإصلاح ومن مرحلة العمل العفوي
الجزئي في الإصلاح، إلى مرحلة الوعي التاريخي الشامل بأهداف الإصلاح وحاجاته
والتوجه الحركي المتكامل لتغيير المجتمع، لأن طبيعة العمل السياسي نفسه تدعو لذلك
وترغب فيه، ومثل هذا يتأكد أكثر على من كان لهم قبول حسن لدى الأمة، ظهر جليا في
شكل من أشكال التعبير الشعبي على الثقة والقبول سواء في صورة حضور التجمعات أو
الاستجابة للنداءات التي تصدر من حين لآخر عن الحزب أو التصويت عليه يوم الانتخاب،
وهذه الأخيرة هي أقوى صور التعبير عن القبول وأصدقها.
تهيؤ الأمة للقيام
بالتغيير:
قد لا يكون القبول
الشعبي كافيا لإحداث التغيير فيجب العمل على إيجاده بكل الوسائل المشروعة وذلك
بحسن استغلال فطرة حب التطلع نحو الأفضل عند الناس، فالإنسان بفطرته يحب أن يحقق
تقدما مضطردا في حياته سواء كان هذا التقدم سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو غير
ذلك من أنواع التقدم، وهذا الشعور هو الوقود الذي يحرك الإنسان للعمل والعطاء
والتضحية، ويدفعه للابتكار والإبداع ويجعله يركب كل صعب ويخوض كل عسير، وقد كان
هذا الشعور ولا يزال وراء ما تعرفه البشرية من صراعات وحروب وما تحققه من تقدم
وازدهار في ميادين الحياة المختلفة كما كان هذا الشعور ولا يزال وراء ما تعرفه
الدول المتقدمة من استقرار، كما كان الشعور بأن هنا ك حواجز تقف دون تقدمه
وازدهاره، وأن الأنظمة التي وجدت لتحقق له التقدم في حياته، فتحسن من وضع حقوقه
السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها قد فشلت في تحقيق ذلك، أو عملت على عرقلة
ذلك، ورأى بأن لا أمل في تحسين حاله في ظل حكم ذلك النظام و هؤلاء الرجال فتململ
واضطرب ونزع ثقته منهم، وأخذ بالنقد في سياساتهم والطعن في قدراتهم وأشخاصهم، بغض
النظر عن عقيدتهم وشعاراتهم، ثم يتطور هذا التململ والقلق والاضطراب إلى أن يصبح
تيارا جارفا ثائرا على ذلك النظام وهؤلاء الرجال إلى أن يحطمهم ويزيلهم من الحكم
ليزول بذلك الحاجز الذي وقف أمام تطور حياته وتحسنها، وفي النظم الديمقراطية
التعددية يزيل هؤلاء بالانتخاب، فيصوت على غيرهم بعد أن كان قد صوت عليهم، ولذلك
تعتبر النظم الديمقراطية أحسن النظم في تنظيم عمليات التغيير والإصلاح أو عملية
الثورة على الأحزاب التي عجزت عن تحقيق التقدم للمجتمع أو وقفت دون ذلك، و يقع
التصويت على حزب جديد ورجال جدد و برنامج جديد ونظام جديد، تعتقد الجماهير أنه
يستطيع السير بها نحو الأفضل ويحقق لها التقدم والرقي في ميادين حياتها المختلفة.
إن شعور المجتمع بأن
هذا الحزب أو ذاك، وهؤلاء الرجال أم أولئك هم الذين يحققون له التقدم نحو الأفضل
هو الفيصل في كسب ثقة المجتمع وتجنده وراء الحزب ورجاله، وأن شعور المجتمع أن هذا
النظام أو ذاك وهؤلاء الرجال أم أولئك هم الذين يقفون حواجز في طريق التقدم أو
الازدهار هو الذي يجعله يثور عليهم ويعمل على إسقاطهم، وقد يكون برنامج هذا الحزب
وهؤلاء الرجال صالحا ولكن عجز الرجال على ترجمته إلى واقع ملموس يرى الناس أثره
الايجابي في حياتهم يعجل بسقوط ذلك النظام وسقوط رجاله، ولعل هذا من المعانى
العظيمة التي تشملها الكلمة الخالدة " إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت
كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة".
ولا يخفى على أحد ما للإعلام من أثر في تزيين
البرامج وأصحابها للناس وقد يستطيع خداعهم وتضليلهم فيقفون بجانبهم ويصوتون عليهم
مرة ومرتين وقد يكون هناك برنامج أفضل ورجال أصدق وأكفأ ولكنهم يعملون في صمت، ولا
يملكون الإعلام الذي يعرف بهم وببرنامجهم فلا يحوزون ثقة الناس فيهم، كل ذلك قد
يتحقق ولكنه إلى حين، فالانخداع لا يدوم، وضعف أصحاب البرنامج الطموح وأصحاب
الكفاءة والصدق المطلوبين لا يدوم، والمهم في هذه المسألة هو وضوح أهمية هذه
الفكرة، فكرة أهمية إصطدام النظام برغبة الجماهير في التقدم، أي عجزه عن تحقيق
التقدم والرقي، وقناعة الجماهير بذلك، ثم وضوح البديل الذي تعتقد الجماهير أنه
يستطيع أن يحقق لها التقدم و الرقي ومثل هذه المسألة ضرورية جدا لنجاح عملية
التغيير فهي شرط أساسي من شروطه فلابد من مراعاتها والعمل على توفيرها فبذلك يتوفر
شرط لا زم لقيام عملية التغيير، والعمل السياسي هو أنسب حقل لتحقيق مثل هذه
النتيجة وتوفير هذا السبب.
إن النجاح في إقناع
الجماهير بالمشروع الإسلامي و رجاله، وتوعيتهم بأن ذلك هو الذي يحقق لهم التقدم
والرقي ويحسن من أحوالهم ويلبـي لهم رغباتهم المشروعة في مستقبل أفضل وحياة أحسن،
وإقناعهم بأن طريق التغيير السلمي هو الأحسن وهو قادر على تحقيق ما يريدون ويتمنون
من أهداف، وأن هؤلاء الرجال هم الأقدر على السير بهم بحكمة وخطوات ناجحة نحو ما
يتمنون من أهداف، والنجاح في إيجاد تيار قوي ومنظم يقوم على تأطيـر تلك الجماهير
وقيادتها نحو الهدف، فإذا تحقق مثل هذا يكون قد توفر شرط مهم من شروط نجاح التغيير
وهو شرط الإندفاعة الشعبية القوية نحو التغيير وعدم مواكبة النظام القائم لهذه
الاندفاعية وما تحمله من مشاعر قوية وتتوفر عليه من استعدادات كبيرة للعطاء
والتضحية، فيتفكك النظام العاجز أمام تلك الاندفاعة القوية وينهار، حاله حال
القنوات المائية الضيقة أو المهترئة التي تنهار و تتحطم أمام اندفاعة السيل
الجارف، وأنظمة العالم العربي اليوم في حالة عجز واضح لم تستطع ولم تحاول أن تطور
من قدراتها وامكاناتها وبرامجها وسياساتها حتى تستجيب لتطلعات شعوبها، ولا تصطدم
مع طموحاتها وقد دلت على هذا العجز جميع سياساتها التنموية فهناك عجز واضح في
ميزانياتها المختلفة وهناك زيادات مستمرة في عدد الفقراء والبطالين وتنامي في نسبة
الأمية، وانتشار متزايد لأنواع المرض، وفشل واضح في العلا قات الخارجية وإدارة
الصراع مع دولة الكيان الصهيوني وسقوط نظام بغداد السريع أمام الغزو الأمريكي وغير
ذلك من أنواع الفشل و العجز.
لقد أصبحت الأنظمة
عبئا على الأمة ولا سبيل أمام الأمة إلا العمل على تغييرها ولا سبيل أمامها لتحقيق
ذلك أسلم من العمل السياسي السلمي ووجود من تقدر الأمة أنه البديل الحقيقي عن
النظم القائمة.
إن استمرار الأنظمة
القائمة بحالها الذي هي عليه شيء متعارض مع طبيعة الحياة، ولذلك فهي سائرة
بالضرورة نحو الزوال، وعلى العاملين في الحقل الإسلامي أن يدركوا ذلك وأن يعملوا
على أن يكونوا هم البديل، وهذه الظاهرة الاجتماعية ملاحظة في حياة الأنظمة
والحكومات، فكم من نظام سقط لأنه أصبح عاجزا عن مواكبة التقدم الاقتصادي أو
الثقافي أو الاجتماعي الذي حصل داخل المجتمع، وهناك بعض الدراسات الاجتماعية التي
ترد سقوط النظام الفرنسي في عهد لويس الرابع عشر إلى عجز حكومته عن مواكبة تطور
المجتمع الفرنسي واستيعاب قوة ذلك المجتمع في المجال العلمي والاقتصادي
والاجتماعي، وهناك أخرى ترد سقوط نظام الشاه في إيران إلى عجزه عن مواكبة التقدم
النفسي والفكري الذي أحدثته ثورة الإمام الخميني في الشعب الإيراني، بحيث تحول
الشعب إلى تيار جارف لم تفلح معه كل أنواع القمع التي وظفها الشاه لقمع تلك
الثورة، وانتهى الأمر كما هو معلوم بسقوطه، إن هذه الحقيقة الاجتماعية جد مهمة في
معادلة التغيير، وأن استغلال ما توفره أجواء العمل السياسي من فرص وإمكانيات للعمل
على توفيرها من أهم الواجبات وأعظم الأولويات التي يجب على العاملين في الحقل
السياسي الإسلامي الاهتمام بها والعمل على توفيـرها.
وهناك حقائق أخرى لا
تقل أهمية في موضوع التحضير للتغيير وهي من شروطه الأساسية وعوامله المهمة منها ما
يمكن أن يسمى بالتناقض الثقافي، فعندما تبـرز ثقافة من نوع جديد في المجتمع تتناقض
مع الثقافة السائدة أو الغالبة التي يسندها النظام القائم، ويعمل على إشاعتها بين
الناس لأنها مشروعه الذي يقوم عليه ويؤمن به، فإن النظام القائم لا يستطيع استيعاب
الثقافة الجديدة، وغالبا ما يعمل على طمسها بكل الوسائل فيقع في تناقض كبير مع
المجتمع ثم تتسع الهوة بينه وبين المجتمع بفعل عدوانيته للثقافة الجديدة فيكون
عرضة للانهيار، وهو ما حصل بالفعل مع الكيانات الجاهلية التي كانت قائمة في مكة
المكرمة وسائر مدن الجزيرة العربية بعد مجيء الإسلام وشيوع رسالته بين الناس
بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم.
والأنظمة القائمة اليوم في العالم العربي
والإسلامي وخاصة منها تلك التي تقوم عليها نخب متغربة تتبنى المنظور الحضاري
الغربي وتعمل على فرضه على الأمة، وهو منظور متناقض كلية مع المنظور الحضاري
الإسلامي، وعلى العاملين في الحقل الإسلامي السياسي أن يحسنوا إشاعة المعرفة
بمنظورهم الحضاري، وتعميم الثقافة الإسلامية بين أبناء الأمة بكل ما أوتوا من قدرة
وكفاءة، وباستعمال الوسائل المشروعة المختلفة من الدرس والمحاضرة والندوة والجريدة
والمجلة والكتاب، إلى ما هنالك من وسائل صناعة الرأي العام وبناء شخصية الإنسان
وصياغة عقله كالإذاعة والتلفزة والانترنت والمدرسة، ولابد في ذلك من تعاون أبناء
الأمة على إختلاف مدارسهم الفكرية واختياراتهم المنهجية، ولابد من تنويع وسائل
التواصل معها لإقناعها بوجوب الالتفاف حول العاملين في الحقل الإسلامي، وإمدادهم
بما يحتاجون إليه لاستكمال هذا الشرط وتحقيق هدف تعميم الثقافة الإسلامية،
والمعرفة بطبيعة المشروع الإسلامي والالتزام به وحسن تطبيق ما تعلق بجوانب العقيدة
والعبادات والأخلاق والمعاملات، فإذا تحققت المعرفة بالمشروع وتم الالتزام بما يجب
ويمكن الالتزام به توفر شرط من أهم شروط النجاح، لأن الثقافة الصحيحة هي التي توجد
السلوك الصحيح وتوجه تحركات صاحبه وتقوم بدور الوسيط الثوري الذي يفجر مشاعر
المجتمع، ويوضح ويعمق القناعة بشرعية التطلعات السامية وضرورة التضحية من أجل
تحقيقها.
فالذي يعري عدم شرعية النظام وعدم شرعية رجاله
وعدم أهليتهم للحكم، والذي يعري فسادهم ويبين قصورهم وعجزهم أو خيانتهم وعمالتهم
ويبين استبداد الحكم بالحقوق السياسية ويعري استغلاله لثروات الأمة وخيراتها
واحتكاره لتجارتها، والذي يكشف عورات الحكم ويفضح عمالته للأعداء وتآمره معهم على
النيل من مصالح الأمة والمس بثرواتها؛ هي الثقافة الشرعية في أبعادها السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، والذي يعري تآمر الحكم على دين الأمة ولغتها وتاريخها
وسائر مقومات شخصيتها؛ هي الثقافة الشرعية والقانونية والتاريخية، والذي يستطيع أن
يعمق مشاعر الغضب على النظام ورجاله ويوجهها التوجيه الحسن في خدمة أهداف التغيير
الصحيح ويقوي الإحساس لدى العاملين خاصة وعموم الأمة عامة بإمكانية إحداث التغيير
ويدفعهم في الطريق الصحيح للقيام به؛ هي الثقافة السياسية الصحيحة والثقافة
الإيمانية القوية وفقه قواعد الأمر والنهي، والذي يساعد على المعرفة الواسعة بطبيعة
النظام وعناصر القوة والضعف فيه، ويوجد القناعة بأن ظلم النظام فادح وقد تجاوز كل
الحدود، وأنه لا أمل في صلاحه، وأن السبيل الوحيد أمامها لتحقيق آمالها في النظام
السياسي القوي والعادل وفي التنمية الاقتصادية الواسعة والنهوض الحضاري الشامل؛ هي
المعرفة الصحيحة والكبيرة بطبيعة النظام وحقيقة مراكز القوة فيه، وطبيعة القصور
الموجود في رجاله وفي سياساتهم وبرامجهم، والمعرفة الصحيحة بالمشروع البديل ورجاله
الذين يقومون عليه ويناضلون للتمكين له. إن ذلك هو الذي يدفع الأمة للالتفاف حول
حاملي ثقافتها بيقين وصدق، وحاملي أهدافها بقناعة ووعي ومتقدمي صفوفها بكفاءة
وتضحية وصدق، الذين دل الواقع على أنهم رجالها الذين تبحث عنهم ليسيروا بها بحكمة
وبصيرة نحو تحقيق تلك الأهداف.
وبهذا يصبح الالتفاف حول الحركة حاملة مشروع
التغيير والإصلاح حالة اجتماعية عامة لا مجرد وعاء انتخابي طارئ صوت عليها مرة
لأنه أعجبه برنامجها ورجالها، أو لأنه لم يجد بديلا آخر، فإذا لاحظ قصورا في
الأداء أو عجزا عن الوفاء بالالتزامات، أو وجد بديلا أخر انفض عنها، فيجب النضال
من أجل أن تصبح الحركة حاملة المشروع حالة اجتماعية عامة أو غالبة – تعمقت ثقة
الأمة فيها وفي رجالها وبرنامجها إلى درجة أن أصبح إيمانها أن الحركة هي الأمل
الحقيقي والوحيد وأن رجالها هم الأولى بالحكم والأقدر على النهوض بتبعاته دون
غيرهم، وأن الطريق الذي يسلكوه هو الذي يوصلها إلى تحقيق أهدافها في التغيير
والإصلاح.
ويجب أن يكون للحركة قدرة فائقة على تأطير
العملية الانتخابية من مرحلة الترشيحات واختيار الأصلح للمسؤولية إلى مرحلة
الرقابة على الصناديق وفرز الأصوات فلا يبقى هناك أي خلل يستغل في الطعن في
مصداقية المرشحين أو في محاولة التزوير، ومثل هذا الأمر يحتاج إلى انتشار سياسي
وبناء تنظيمي واسعين بحيث لا يبقى بيت من البيوت إلا وفيه مناضل للحركة أو ذكر
لها، وهذا الذي أعنيه بالقول أن تصبح الحركة حالة اجتماعية عامة، فهي حاضرة في
ضمير أفراد الأمة أينما وجدوا في البيوت وفي المساجد وفي المقاهي وفي الشوارع وفي
مؤسسات العمل والإدارات وفي كل مكان وجدت فيه مجموعة من أبناء الأمة داخليا
وخارجيا.
ولأهمية هذا العنصر
في التغيير جاء قوله تعالى؛ ملخصا رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهجه في
الإصلاح <<هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم
ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفـي ضـلال مبيـن >>[6]
وقوله تعالى << ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن
جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون
فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون
>>[7].وقوله
تعالى << وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله
وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله
يوف إليكم وأنتم لا تظلمون >>[8]
إن أفضل ما يساعد على
تحقيق هذا الشرط وغيره من الشروط سالفة الذكر هو العمل السياسي الشامل الذي يجعل
السياسة مصالح يحميها ويحكمها الحق والذي يحرص رجاله على الارتقاء بأنفسهم إلى
أعلى درجات الكمال البشري علما وعبادة وسلوكا وتضحية وعطاء، ويجعلوا من حزبهم
إطارا للصلاح وسبيلا للإصلاح الشعبي الواسع.
هذه خلاصة رؤية
الحركة للعمل السياسي ومنهجها في التغيير أتيت على ذكر أهم جوانب المنهج، وتركت
جوانب أخرى لا تقل أهمية عن تلك التي ذكرت خوفا من الإطالة التي لا يقبلها مقال في
مجلة، أرجو من الله تعالى أن ينفع بها، ولأصحاب المجلة كل الشكر والتقدير والدعاء.
والسلام
الشيخ عبد الله جاب
الله
الجزائر
الأربعاء19شعبان1424ه
الموافق
ل 15أكتوبر2003